أحدث المقالات

Post Top Ad

Your Ad Spot

Friday, December 22, 2023

تأملات تساعية الميلاد – اليوم الثامن

 


موقع الفادي

أعدّها الأب فارس سرياني :

﴿أَينَ مَلِكُ اليَهودِ الَّذي وُلِدَ؟ فَقَدْ رَأَينَا نجمَهُ في الْمَشرِق، فَجِئنَا لِنَسجُدَ لَهُ﴾ (متّى 2:2).

 

هَذَا مَا أَخبَرَ بِهِ الْمَجوسُ القَادِمينَ مِنْ بَعيدٍ أَهلَ أُورَشليم، بِنَاءً عَلى ظَاهِرَةٍ طَبيعِيَّةٍ عَايَنُوَهَا في السَّمَاء، فَأدْركوا أنَّ وَرَاءَها أَمرًا عَظيمًا قَدْ حَدَث! فَالخَلقُ بانْتِظامِهِ وتَكوينِهِ العَجيب، وَسيلَةٌ مِنْ خِلالِها نَستَدِلُّ عَلَى وُجُودِ الخَالِق. وَهَذا مَا أَشارَ إليهِ بُولسُ الرَّسول، في الرِّسَالَةِ إلى أَهلِ رومة، قائِلًا: ﴿فَمُنْذُ خَلْقِ العالَم، لا يَزالُ مَا لا يَظهَرُ مِنْ صِفَاتِه، أَيْ قُدرَتُه الأَزَلِيَّةُ وأُلوهَتُه، ظَاهِرًا لِلبَصائِرِ في مَخلوقاتِه﴾ (رو 20:2). هَذا النَّجمُ قَادَ هَؤلاءِ الرِّجَال، لِلبَحثِ عَنْ آَثَارِ حُضورِ الله. لَقَدْ أدْرَكُوا مَعْ صَاحِبِ الْمَزامير، أَنَّ: ﴿السَّماواتِ تُحَدِّثُ بِمَجدِ الله﴾ (مز 2:19). أَيْقَنُوا قُدْرَتَهُم عَلَى رُؤيةِ اللهِ مِنْ خِلالِ الخَلق.

 

لَكِنَّهُمْ أَيضًا كَرِجَالٍ حُكَمَاء، كَانوا يَعلَمونَ أَنَّ إِمْكَانِيَّةَ إيجادِ الله، هوَ عَمَلٌ مُشتَرَكٌ: بَينَ العَقلِ البَاحِثِ عَنِ الله، يَدْفَعُهُ الإيمان. فَالعَقلُ والإيمانُ كِلاهُمَا يَشْتَرِكانِ في مَهمَّةِ البَحثِ عَنِ اللهِ وإيجادِه. ومَا يَعجَزُ العَقلُ عَنْ إدْرَاكِهِ، يُكَمِّلُهُ الإيمانُ ويُعطيهِ مَعنَاه. فَفي جَمَالِ الخَلقِ وَعَظَمَتِهِ، نحنُ مَدعُوّونَ لِأَنْ نَرَى حِكمَةَ الخَالِق، وقُدرَةَ العَقلِ الإلهيّ الّذي أَبدَعَ كُلَّ شَيء. ولا يَسَعُنَا إلّا أَنْ نَهتدِيَ إلى معرِفَةِ الله، خَالِقِ السَّمَاءِ والأرض، الّذي نَفسُهُ وُلِدَ في بَيتَ لحم.

 

لَقَدْ ظَنَّ الْمَجوسُ أنَّهم سَيَجِدونَ "مَلِكَ اليهودِ"، في القَصرِ الْمَلَكيِّ في أُورَشليم، كَسَائِر الْمُلوكِ والحُكَّام. ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُن هُنَاك! ثُمَّ مَا لَبِثَ النَّجمُ أَنْ أَرشَدَهُم إلى بَيتَ لحم، أَصغَرِ مُدُنِ يَهوذا. أَرشَدَهُم بَينَ الفُقَرَاءِ والْمُتَواضِعين، لإيجادِ مَلِكِ الكَونِ ورَبِّ العَالم! فَمَعَاييرُ اللهِ تَختَلِفُ عَنْ مَعَاييرِ البَشَر! فاللهُ لا يُظهِرُ ذَاتَهُ بِمنطِقِ هَذَا العَالم، القَائِمِ عَلَى القُوَّةِ والسَّطوَةِ والكِبريَاء، بَل بمنطِقِ التَّوَاضُعِ والْمَحَبَّةِ والبَسَاطَة.

 

دَربُ الخَلقِ قَدْ يُؤدّي إلى مَعرِفَةِ الله، لَكِنَّهُ يَظلُّ دَربًا ناقِصًا ومُعتِمًا بَعضَ الشَّيء، ولا يُعطِينَا هِبةَ النُّورِ الكَامِل. لِذلِكَ، كَانَ مِنَ الْمُهِمِّ لِلمَجوسِ أَنْ يَسْمَعوا صَوتَ الكُتُبِ الْمُقدَّسَة، فَهِيَ وَحدَهَا النُّورُ القَادِرُ عَلَى إرشادِهم، إلى الطَّريقِ الْمُؤَدّي إلى بيتَ لحم، حَيثُ عَايَنُوا "مَلِكَ اليَهود". كَلِمَةُ الله هِيَ النَّجمُ الحَقيقيُّ الَّذي يُرشِدُنا إلى الله. كَلِمَةُ الله هُوَ مَنْ صَارَ بَشرًا، لِيَقودَنا إليهِ ويَجمَعَنَا بِه. وعَليه، نَستَنيرُ بِضوءِ الكَلمةِ الإلهيّ، مُرَنّمينَ مَع صَاحبِ الْمَزَامير: ﴿كَلِمَتُكُ مِصباحٌ لِخُطاي، ونورٌ لِسَبيلي﴾ (مزمور 105:119)

عن ابونا

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot