أحدث المقالات

Post Top Ad

Your Ad Spot

Friday, December 22, 2023

تأملات تساعية الميلاد – اليوم التاسع

 


موقع الفادي

أعدّها الأب فارس سرياني :

 يَأتي إلى بَيتَ لحم لا السَّلاطِينُ ولا الْمُلوكُ، بَل الْمَجوسُ مِنَ الْمشرِقِ كَمَا يروي لَنَا البَشيرُ مَتّى. يَعلَمُ سُكَّانُ أُورَشَليمَ بالحَدث، ولا يُبْدُونَ اهتِمَامًا. ويَبدو أَنَّ بَيتَ لحمَ أَيضًا، لا تُحرِّكُ سَاكِنًا لأجلِ مَوُلِدِ هَذَا الطِّفل، الّذي يَدعُوُهُ الْمَجوسُ: "مَلِكَ اليَهود". بَعدَ بُرهَةٍ، عِندمَا يَرى هِيرودُس أنَّ الْمَجُوسَ قَدْ سَخِرُوا مِنهُ، ولَمْ يَرجِعُوا إِليهِ، يَستَشيطُ غَضبًا ويَصُبُّ نَقمَتَهُ عَلَى أَطفَالِ بَيتَ لحم الأبرِياء، الَّذينَ رَاحُوا ضَحيَّةً لِوَحشيَّةِ هَذَا الطَّاغِيَة.

 

أَمَّا الْمَجوس فَقَدْ اِنصَرَفوا إلى دِيارِهِم في طَريقٍ آَخَر. ولَكِن، قَبلَ ذَلِك، قَدَّمُوا لِلطّفلِ وَاجِبَ السُّجود، وَأَهْدُوهُ هَدايا حَمَلوهَا، تَعْبيرًا عَنِ اعتِرافِهم بِأُلوهِيَّةِ ومُلُوكِيَّةِ هَذَا الطِّفل، ولِسَانُ حَالِهم يَقولُ بِأنَّهُم قدْ بَاتُوا يَنتَمُونَ الآن إلى ذَاكَ الّذي اِعتَرَفُوا بِسُلطَانِه.

 

إنَّ عَودَةَ الْمَجوسِ إلى بِلادِهِم في سَبيلٍ آَخَر، تَدُلُّ عَلَى بِدَايَةٍ جَدِيدَة. فَالْمَجوسُ قَبلَ لِقَاءِ الْمَولُود، لَيسُوا الْمَجوسَ بَعدَ لِقَائِه. فَذَاكَ الِّلقَاءُ قَدْ غَيَّرَهم جَذرِيًّا. فَهَؤلاءِ الأشخَاص، الّذينَ قَدِمُوا مُسْتَرشِدِينَ أَوّلًا بالنَّجمِ الهادِي، ثُمَّ بِنَبُؤَاتِ الكِتَابِ الْمُقَدّس، اِستَطاعُوا أنْ يَجِدُوا في طِفلِ بيتَ لحم، مَنْ يملِكُ القُدرَةَ عَلَى أَنْ يَهَبَ الفَرحَ الأعظَمَ والحِكمَةَ الأسمى لِلقَلبِ البَشَريّ.

 

في مَسيرَةِ التّاريخ، كَثِيرونَ اخْتَبَروا خِبرَةَ الْمَجوس. يَبحَثونَ عنِ الله، مُسْتَنيرينَ بِنورِ الكَلِمة، وبِأحدَاثٍ ومَواقِفَ تُصَادِفهم، ويَنجَحُونَ بالوُصولِ إليهِ وإدْراكِهِ. وعَلَى مِثالِ الْمَجوسِ، يحمِلُونَ في حَقائِبِ نُفُوسِهِم، أَشيَاءَ كَثيرَة يُقَدِّمُونَهَا لله، تُعَبِّرُ عَنِ انتِمَائِهم إليهِ وإيمانِهم بِه. وعَلَى مِثالِ الْمَجوسِ أيضًا، لا يَعودونَ مِنَ الطَّريقِ الّتي أَتوا مِنهَا، أَي لا يَرجِعُونَ إلى حَياتِهم السَّالِفَة، قَبلَ لِقَائِهم الله.

 

لا يَستَطِيعُ الْمَجوسُ بَعدَ أَنْ وَجَدوا الطِّفل، أَنْ يَعُودوا إلى هِيرودُس، أَو أنْ يَكُونوا حُلَفَاءَ لِهذا الْمَلِكِ الْمُستَبِد. فَهيرودُسُ يُمثِّلُ عَالمَ الشَّرِّ والفَسَاد. والّذي أَرادَ أنْ يُصادِقَ الله، لا يَضَعُ يَدَهُ في يَدِ العَالم. مِثلَمَا قَالَ يَعقوبُ الرُّسول: ﴿صَدَاقَةُ العَالم، عَداوَةُ الله﴾ (يع 4:4). لَقدْ بَاتَ الْمَجوسُ حُجَّاجًا ومُرْسَلِين، مُتَجَاهِلينَ وُلاةَ الدَّهرِ الحَاضِر، حَامِلينَ ضِيَاءَ الطِّفلِ العَظيمِ الَّذي عَايَنُوه، وبِهذا يَستَطيعونَ أَنْ يُضِيئوا عَتمَةَ هَذا العَالَم. يُعلِّقُ القِديسُ أوغسطينوس بالقَول: "نَحنُ أَيضًا، بِاعترافِنَا بالْمَسيحِ مَلِكًا وإلهًا وكَاهِنًا، نُكَرِّمُهُ كَمَا لَو كُنَّا قَدْ قَدَّمنَا الذَّهبَ والبَخورَ والْمُر. مَا يَنْقُصُنَا هُوَ أَنْ نَشهَدَ لَهُ، سَائرينَ في سَبيلٍ مختَلِف، عَنِ السَّبيلِ الّذي أَتَينَا مِنهُ".

عن ابونا

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot