آية اليوم

Monday, September 7, 2026

كيف يعيش المسيحيّ حزنه برجاء؟

 


رام الله - موقع الفادي

كتبت جورجينا حبابه

ما بين حزانى يتألّمون في داخلهم بصمت، وآخرين يُظهرون حزنهم من خلال النواح وتمزيق الثياب وسواها من العلامات، أسبابٌ كثيرة تفرض على الإنسان الشعور بالحزن، لا سيّما الإحساس بالألم العميق حزنًا على موت إنسانٍ آخَر.
أوضح المطران بشّار متّي وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، في حديثه، كيف اختبَر ربُّنا يسوع نفسه مشاعر الحزن، دون أن يتعمَّد إخفاءها، بل رآه تلاميذه يذرف الدموع على صديقه الميت لعازر، مع أنّه كان مزمعًا أن يقيمه من الموت. وكذلك حَزِنَ على أورشليم وبكى عليها. واختبر ذروة حزنه في حضرة الله، في بستان الزيتون، عندما طلبَ من تلاميذه المُقرّبينَ البقاء والسهر معه قائلًا: «نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ».
فعلُ إيمانٍ عميق
وقال إنّ المؤمن الذي يبقى مُصِرًّا على رفضِ قبول الموت بوصفه حقيقة نهائيّة، رغم حزنه وكلّ ما ينتابه من مشاعر الفقدان والعجز والمحدوديّة كإنسان، يكشف عن حقيقة إيمانه فهو «ينتظر بعنادٍ الفداءَ الواهبَ الحياة، متيقّنًا أنّ الله القدير هو وحده مانحه. لذا، فالحزن الحقيقيّ المحمود والمقصود بتطويبة ربّنا للحزانى هو فعلُ إيمانٍ عميق، يتصدّى لأيّ يأس، ويقوّمه بفعلٍ أعمق وأكثر صدقًا هو الرجاء»، وفق وردة.
وتابع: «حين يطوّب ربّنا يسوع الحزانى، فهو لا يمدح الحزن، بل يقصد من يمتلكون فضيلة الثبات في المحبّة وسط الظروف القاسية والمدمّرة، رغم الفَقْد. وهي نقيض الاستسلام للخسارة التي لا تُعَوَّض».
فضيلة مسيحيّة
وأكّد أنّ الحزن المُفعَم بالرجاء هو فضيلة مسيحيّة، وأنّ المسيحيّ لا يسعى إلى بلوغ سلامٍ نفسيّ سطحيّ، بل يبتغي تعزيةً حقيقيّة واثقًا من أنّه ينالها من المُبَارَك: «اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الرَّأْفَةِ وَإِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ».
ودعا وردة إلى الاسترشاد بحكمة يشوع بن سيراخ في التعامل مع الموت والحزن الذي يخلّفه: «لا تُسَلِّمْ قَلْبَكَ إِلَى الْحُزْنِ، بَلِ اصْرِفْهُ ذَاكِرًا الأَوَاخِرَ. لَا تَنْسَ؛ فَإِنَّهُ لَا رُجُوعَ مِنْ هُنَاكَ، وَلَسْتَ تَنْفَعُهُ، وَلكِنَّكَ تَضُرُّ نَفْسَكَ. اذْكُرْ أَنَّ مَا قُضِيَ عَلَيْهِ يُقْضَى عَلَيْكَ. لِي أَمْسِ وَلَكَ الْيَوْمُ. إِذَا اسْتَرَاحَ الْمَيْتُ، فَاسْتَرِحْ مِنْ تَذَكُّرِهِ، وَتَعَزَّ عَنْهُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ».
«نقرأ في حزن يوحنا والمريمات، الواقفين عند قدَمَي يسوع المصلوب، رجاءً من نوعٍ آخَر، حين بقوا أمناء لمعلِّمهم يتبعونه ويقاسمونه الألم، وإنْ لم يكن بمقدورهم إيقاف الصَلْب، رافضين التأقلم مع الشّرّ، ومختارين مواجهةً صريحةً للموت، ليبقوا أوفياءَ لإيمانٍ عميقٍ يُؤكّد أنّ الحياة هي السيّدة على الموت، وليس العكس، وأنّ الموتَ، بطريقةٍ ما إلهية، لا ينبغي أن تكون له الكلمة الأخيرة»، وفق وردة.
وختم وردة بالتشديد على أنّ المكافأة الموعودة للحزانى، وفق التطويبة، أنّهم «سيَتَعَزَّوْنَ»، والمقصود أنّهم سيحظون بحضورِ شخصٍ إلى جانبهم، يشاركهم هذه الوحشة والعزلة المُحزِنة، والمُخيفة أحيانًا، ومَن غير الله سيكون إلى جانبهم، وهو القادر على تحويل الحزن تحويلًا جذريًّا من الداخل؟
المصدر: آسي مينا /

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot