القدس - موقع الفادي
كتب الاب سيمون حرو
في عالمٍ تتقارب فيه المسافات وتتشابك فيه الثقافات، لم يعد السؤال المطروح هو: كيف نعيش منفصلين؟ بل: كيف نحيا معًا بكرامة واحترام وسلام؟
لقد خُلقت الأديان لتكون مناراتٍ تهدي الإنسان إلى الخير، وتغرس في قلبه قيم الرحمة والعدل والمحبة والصدق. وما من دينٍ أصيل يدعو إلى الكراهية أو القتل أو ازدراء الإنسان أو إهانة كرامته. وحين تتحول العقيدة إلى وسيلة للإساءة إلى الآخرين، فإن المشكلة لا تكون في الدين، بل في القراءة المنغلقة التي تُفرغ الإيمان من روحه الأخلاقية.
إن تأخي الأديان لا يعني إلغاء الفوارق العقائدية، ولا تذويب الخصوصيات الدينية، ولا التخلي عن القناعات الشخصية. إنه يعني الاعتراف بأن الإنسان يسبق الخلاف، وأن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالدين أو العرق أو اللغة أو الجنس، بل بكونها هبةً أصيلة تستحق الاحترام.
ومن هنا، فإن احترام الرموز الدينية ليس مجاملة اجتماعية، بل علامة نضج حضاري. فالإساءة إلى ما يقدّسه الآخر لا تُثبت صحة معتقد، ولا تُقنع عقلًا، ولا تبني حوارًا، بل تجرح المشاعر، وتؤجج الانقسام، وتفتح أبواب التعصب وسوء الفهم. أما الكلمة الهادئة، والحوار الصادق، والبحث العلمي الرصين، فهي الجسور التي تقرّب بين البشر وتسمح بتبادل المعرفة دون إهانة أو استعلاء أو حتى إقصاء للٱخر.
ومن مظاهر الجهل أن تتحول المقارنة بين الأديان إلى ساحة للسخرية أو التشهير أو الانتقاص. فالمقارنة العلمية لها أصولها الأكاديمية، تقوم على الموضوعية، وفهم النصوص في سياقاتها، واحترام أتباع كل دين. أما المقارنة التي تهدف إلى النيل من الآخر أو إثارة الكراهية، فهي لا تخدم الحقيقة، بل تُنتج مزيدًا من الانقسام، وتكشف ضعف الحجة أكثر مما تثبت قوتها.
إن الحضارات العظيمة لم تُبنَ على احتقار المختلف، بل على القدرة على الإصغاء إليه. فكلما ارتقى الإنسان في العلم، ازداد تواضعًا واحترامًا، وأدرك أن الحقيقة لا تحتاج إلى الشتيمة لتدافع عن نفسها، وأن الإيمان الواثق لا يخشى الحوار، بل يرحب به لأنه يثق بقوة الكلمة الصادقة.
إن عالمنا اليوم يحتاج إلى ثقافة اللقاء بدل ثقافة الإلغاء، وإلى تربية الأجيال على أن الاختلاف ليس تهديدًا، بل فرصة للتعارف والتعاون. فعندما يتعلم الطفل احترام مقدسات غيره، يكبر وهو يحترم الإنسان نفسه، وعندما يتربى على قبول التنوع، يصبح أكثر قدرة على بناء مجتمع يسوده الأمن والاستقرار.
وليس السلام بين الشعوب اتفاقًا سياسيًا فحسب، بل ثمرة احترام متبادل بين المؤمنين من مختلف الديانات والثقافات. فحين تُصان الكرامة، ويُحترم الضمير، ويُفسح المجال للحوار المسؤول، يصبح الاختلاف مصدر غنى، لا سببًا للصراع.
فلنختر أن تكون كلماتنا جسورًا لا جدرانًا، وأن يكون قلمنا رسول معرفة لا أداة إساءة، وأن يكون إيماننا دافعًا إلى خدمة الإنسان، لا إلى إدانته. فالأديان في أسمى رسالتها تدعو إلى السمو الأخلاقي، والإنسانية في أبهى صورها تُقاس بقدرتنا على احترام من يختلف معنا، دون أن نتخلى عن قناعاتنا.
إن المستقبل لن يصنعه الذين يتبارون في إهانة مقدسات الآخرين، بل الذين يمتلكون شجاعة الاحترام، وحكمة الحوار، ونبل الإصغاء. فحين يلتقي الإيمان الصادق بالعلم الرصين، وتصافح الحقيقةُ المحبةَ، تولد أخوّة إنسانية لا تهدمها الاختلافات، بل تزيدها عمقًا. عندئذٍ يدرك العالم أن أعظم انتصار للدين ليس أن يهزم دينًا آخر، بل أن ينتصر الإنسان على الكراهية، وأن يسود بين البشر العدل، والرحمة، والسلام

No comments:
Post a Comment