آية اليوم

Monday, April 20, 2026

نرفض التعدي على الرموز الدينية، ولكننا نرفض أيضًا التعدي على الإنسان.

 


القدس - موقع الفادي

كتب المطران عطا الله حنا رئيس اساقفة سبسطية للروم الارثوذكس

نعرب عن شجبنا واستنكارنا للاعتداء الهمجي الذي استهدف الصليب المقدس في جنوب لبنان، وفي الوقت ذاته فإننا نرفض أي استهداف أو تعدٍّ على الرموز الدينية في كل الأديان والمذاهب.
إن حادثة التعدي على الصليب تذكرنا بما حدث مع الرب يسوع المسيح عندما كان معلقًا على الخشبة، حيث شتمه الكثيرون وبصقوا عليه واستهزؤوا به، وقد كانت كلماته الخالدات: (يا أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون). إن الاعتداء على الصليب المقدس لن يؤثر على مكانته في إيماننا، فصليبنا سيبقى شامخًا في سماء أرضنا المقدسة ومشرقنا، رغمًا عن كل هؤلاء العنصريين أين كانت أشكالهم أو ألوانهم.
فنحن نرفض العنصرية والكراهية، ويجب احترام التعددية الدينية، ولكن يبدو أن هذا ليس موجودًا في ثقافة هؤلاء العنصريين الكارهين للرموز الدينية المسيحية، وفي المقدمة منها الصليب المقدس.
إن هذه المدرسة العنصرية هي ذاتها التي تستهدف الرهبان والراهبات والآباء في أزقة القدس وشوارعها، حيث يُهانون ويُبصق عليهم ويسمعون الشتائم.
إنها الثقافة العنصرية ذاتها التي تستهدف الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، حيث يُنظر إلى الفلسطيني دون احترام حقه في أن يعيش بحرية وكرامة وسلام.
لقد أزعجنا التعدي على الصليب، كما ويزعجنا أي تعدٍّ على المقدسات وعلى الرموز الدينية كلها، ولكن يزعجنا أيضًا التعدي على الإنسان، فحياة الإنسان لا تقل قدسية وأهمية عن الرموز الدينية.
نرفض استهداف المدنيين، ونرفض استهداف الأبرياء، وشعبنا الفلسطيني يُستهدف، وإنسان هذا المشرق يُستهدف أيضًا، وحياة الإنسان مقدسة هي .
فمن عُلّق على الخشبة قدّس الحياة البشرية وبارك الإنسانية كلها، ودعا الجميع إلى حياة المحبة والرحمة والإنسانية.
يهمنا كثيرًا ألا يُعتدى على المقدسات والرموز الدينية، ولكن أيضًا يهمنا أكثر ألا يُعتدى على الإنسان، فما قيمة الرموز الدينية بدون الإنسان الذي من أجله أتى المخلص وقدم كل ما قدمه للإنسانية كلها.
نحن في فترة عيد القيامة، والقيامة في مفهومنا هي انتصار للنور على الظلمة، وانتصار للخير على الشر، وانتصار للمحبة على الكراهية والعنصرية.
نسألك يا رب أن تُنقّي هذا العالم من هذه الشوائب، ومن هذه الأفكار الظلامية، ومن ظاهرة التطرف المقيتة التي يجب أن يلفظها ويرفضها كل إنسان عاقل.
أنا على الصعيد الشخصي لم أستغرب مما حدث في جنوب لبنان، لأن من يقتل الأطفال ويستهدف الكبار والصغار يمكننا أن نتوقع منه كل شيء.
نقول بأن المسيحية باقية في هذا المشرق، في فلسطين وفي لبنان وفي كافة الأقطار التي تتواجد فيها، وسيبقى الحضور المسيحي في هذا المشرق حضور محبة وإنسانية ورحمة ودفاع عن الإنسان المتألم والمظلوم.
استمعنا اليوم إلى كثير من ردود الأفعال من الغرب على هذا التعدي الذي حدث، ونحن نتمنى أيضًا أن يكون هنالك استنكار ورفض للتعدي على إنسان هذه المنطقة، الذي يستحق أن يعيش بحرية وأمن وأمان.
نصلي من أجل لبنان الذي نحبه، بلد المحبة والأخوة والتلاقي بين الإنسان وأخيه الإنسان.
لبنان كان وسيبقى عنوانًا للمحبة، كما هي فلسطين، وهذا المشرق المعذب الذي نصلي من أجل سلامه وسلامة أبنائه.
لن يتمكن العنصريون، أين كان شكلهم وأين كان لونهم، من النيل من قيم إيماننا ورسالتنا وحضورنا في هذا المشرق وفي هذه الأرض المقدسة.
والسؤال الذي يطرحه الكثيرون: إلى متى؟
إلى متى سوف تستمر هذه العنصرية والكراهية؟ إلى متى سوف يستمر استهداف شعبنا الفلسطيني وإنسان هذا المشرق، الذي هو أصيل في هذه المنطقة وجذوره عميقة في تربتها؟
نعم، نستنكر التعدي على الصليب، ولكننا في الوقت ذاته نستنكر التعدي على الإنسان، على كل إنسان، والذي من أجله صُلب الرب لكي ينقل الإنسانية كلها إلى حقبة جديدة من تاريخها.

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot