آية اليوم

Monday, August 24, 2026

"فليحمل صليبه" (متى ١٦: ٢٤).

 

لماذا يسمح الله للأشخاص الصالحين بالمعاناة؟ إجابة لم تكن تتوقعها الجميع يطرح هذا السؤال. وقلة قليلة تفهمه. وعدد أقل مستعد لسماع الإجابة الحقيقية. لماذا يخضع المؤمنون للمشيئة الإلهية؟ لماذا يصرخ الأبرياء؟ لماذا يمرّ في أتون المعاناة أولئك الذين يصلّون ويخدمون ويحبون؟ يقدم الكتاب المقدس إجابة أكثر غموضاً - وأكثر جمالاً - مما نتخيل. دعونا نكتشفها معاً. ✝️ 1. المعاناة ليست دليلاً على غياب الله، بل هي علامة على حضوره في الكتاب المقدس، نجد أن أقرب الناس إلى الله هم أكثرهم معاناةً: إبراهيم يفقد كل شيء. موسى يُرفض ويُنبذ. داود يُطارد. إرميا يُلقى في بئر عميقة. مريم يخترق سيفٌ نفسَها. يسوع يحمل الصليب. لو كانت المعاناة تعني أن الله قد تخلى عنك، لكان يسوع هو الأكثر تخلياً عنه، وهذا أمر مستحيل. المعاناة ليست غياباً لله. بل هي، في كثير من الأحيان، بصمة الله. ✝️ 2. يعاني الصالحون لأنهم يحملون ما لا يستطيع الآخرون حمله تُختار بعض النفوس لحمل صلبان أثقل من غيرها. ليس كعقاب. بل كنوع من المشاركة. يفاجئنا القديس بولس بهذه الكلمات: "أُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي" (رسالة كولوسي 1: 24) ما الذي يمكن أن يكون "ناقصاً" في آلام المسيح؟ ليس في القيمة. ولا في القوة. ولا في الفداء. ما ينقص هو مشاركتك أنت. يسمح الله لبعض الأشخاص الصالحين بحمل الصلبان لكي تتدفق النعمة إلى الآخرين من خلالهم. البعض يعاني من أجل العائلات. والبعض يعاني من أجل الأمم. والبعض يعاني من أجل النفوس التي ترفض الله. تتحول المعاناة إلى شفاعة. ✝️ 3. يستخدم الله المعاناة كمشرط جراح، لا كمطرقة المعاناة في الكتاب المقدس ليست دماراً. بل هي تطهير. الله لا يجرح بقصد الإيذاء، بل يجرح ليشفي. فكّر في الذهب داخل النار. الحرارة لا تدمره؛ بل تكشف عن نقائه. وبالمثل: المحن تصهر الكبرياء وتزيلها الفقدان يصهر التعلق ويزيله التأخير يصهر نفاذ الصبر ويزيله الخيانة تصهر الأوهام وتزيلها المرض يصهر الاعتماد على الذات ويزيله المعاناة ليست مطرقة الله، بل هي أداة الله الجراحية. القديسون لا يُصنعون على قمم الجبال، بل في أتون التجارب. ✝️ ٤. المعاناة تفتح أبواباً تغلقها الراحة هناك أماكن في القلب البشري لا تلمسها الراحة أبداً. لكن المعاناة تدخل إليها. تتعلم التعاطف فقط حين تتألم. وتتعلم الرحمة فقط حين تكون بحاجة إليها. وتتعلم الصمت فقط حين تعجز الكلمات. وتتعلم الصلاة فقط حين لا يجدي أي شيء آخر نفعاً. هناك أمور لا يمنحك الله إياها إلا في الظلمة، لأن النفس في الظلمة تتوقف أخيراً عن الركض والهروب. ✝️ ٥. المعاناة هي الطريق الوحيد الذي يثق الله بأنه يُخرج قديسين لا يوجد في الكنيسة قديس بلا جراح. ولا واحد. المعاناة ليست طريقاً جانبياً في رحلة القداسة، بل هي الرحلة ذاتها. لم يقل يسوع: "إن أراد أحد أن يتبعني، فليأخذ بركاته ويأتِ". بل قال: "فليحمل صليبه" (متى ١٦: ٢٤). ليس لأن الله يجد مسرة في ألمك، بل لأنه لا وجود للقداسة بلا تضحية. ✝️ ٦. أكثر النفوس قداسةً هي التي تتألم، لأنها قادرة على تحمل ثقل المجد يحمل بعض الناس صلباناً أثقل لأن نفوسهم أقوى. يمنح الله جراحاً أعمق لأولئك الذين سيغمرهم بنعمة أعمق. إنه يُقَلِّم الأغصان المُعَدَّة لتُثمر أطيب الثمار. حين ترى شخصاً صالحاً يتألم، فأنت تشهد نفساً يُعِدُّها الله لأمرٍ أعظم من الراحة. أنت تشهد عملية صياغة قديس. ✝️ ٧. السر الأخير: الله نفسه يختار المعاناة المسيحية هي الديانة الوحيدة التي لا يكتفي فيها الله بمشاهدة البشر وهم يتألمون، بل يتألم معهم. إنه يتحمل المسامير. ويتحمل الحربة. ويتحمل الهجران. ويتحمل القبر. وهذه هي الإجابة القصوى: أنت لا تتألم بدلاً من المسيح، بل تتألم مع المسيح. وكل دمعة تتحول إلى صلاة. كل جرحٍ يغدو نعمةً. وكل صليبٍ يغدو شركةً مقدسة. ✝️ إذن، لماذا يتألم الصالحون؟ ليس لأن الله غائب، بل لأن الله قريبٌ جداً - لدرجةٍ كبيرة ليس لأن الله يعاقبهم، بل لأن الله يصوغهم ويُشكّلهم. ليس لأنهم منسيّون، بل لأنهم مختارون. والصليبُ الموضوعُ على أكتافهم هو ذاتُ الصليبِ الذي فتح أبوابَ السماء.

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot