القدس - موقع الفادي
كتب المطران ثيودر الغندور
قد ينظر المؤمنون إلى الأسقف من الخارج فيظنون أنه يمتلك الكثير: كاتدرائية، وعرشًا أسقفيًا، وصليبًا صدريًا وايقونة مزخرفة، وعصا الرعاية، وثيابًا فاخرة، واحترامًا، وسلطة، ومكانة مرموقة. بل قد يعتقد البعض أنه يعيش في دائرة من الامتيازات وأنه يحتل مكانة تعلو على الآخرين. لكن تقليد الكنيسة الأرثوذكسية يدعونا إلى أن نطرح سؤالًا أعمق بكثير: ماذا يمتلك الأسقف حقًا؟
وربما تكون الإجابة مفاجئة للكثيرين. بحسب القوانين الكنسية المقدسة ووعي الكنيسة، فإن الأسقف ليس مالكًا للكنيسة، بل هو خادم لها. والأبرشية ليست ملكًا له، وإنما هي وديعة ائتمنه عليها المسيح. وأموال الكنيسة ليست إرثًا شخصيًا له، بل هي أمانة للفقراء، وللرسالة، وللأجيال القادمة. وحتى الشعب ليس "شعبه"، لأنه ينتمي إلى الراعي الصالح، ربنا يسوع المسيح.
لقد شددت القوانين الرسولية وقرارات المجامع المقدسة مرارًا على أن يدير الأسقف ممتلكات الكنيسة بكل أمانة ومخافة الله، عالمًا أنه سيقدم حسابًا للمالك الحقيقي لكل شيء، وهو المسيح. فالكنيسة لم تمنح الأسقف حق التملك، بل حمّلته مسؤولية الخدمة والرعاية.
لذلك، كلما علت الكرامة الأسقفية، ازدادت الدعوة إلى التجرد والتضحية. فالأسقف يمتلك التاج، لكنه يشعر بثقله كأنه إكليل من الشوك. ويمتلك عصا الرعاية، لكنها لا ترمز إلى السلطة، بل تذكره بأنه مدعو للبحث عن كل خروف ضال. ويجلس على العرش، لكن العرش يذكره أيضًا بأنه سيُحاسب حسابًا أعظم، لأن «مَن أُعطي كثيرًا يُطلب منه كثير».
الشعب يرى الثياب الكهنوتية. أما الله فيرى الركبتين المنحنيتين في الصلاة. الشعب يسمع العظات. أما الله فيعرف الدموع التي تُذرف في الخفاء. الشعب يشاهد الاحتفالات الليتورجية. أما الله فيرى الليالي الطويلة المملوءة بالهموم، والقرارات الصعبة، وسوء الفهم، والانتقادات، وثقل حمل النفوس التي ائتمنه عليها.
لقد وصف القديس يوحنا الذهبي الفم، في كتابه حول الكهنوت، الخدمة الرعوية بأنها من أصعب الخدمات في حياة الإنسان، ليس بسبب الجهد الخارجي، بل لأن الراعي سيقف أمام الله ليقدم حسابًا عن كل نفس أُوكلت إليه. ولهذا السبب تحديدًا، هرب كثير من القديسين من الرسامة الأسقفية، لا تواضعًا مصطنعًا، بل لأنهم أدركوا عظمة هذه المسؤولية.
وينطبق الأمر نفسه على الرهبان والراهبات. فمن يراهم من بعيد قد يظن أنهم يعيشون حياة هادئة بعيدة عن هموم العالم. لكن الحقيقة أنهم تخلوا بإرادتهم عن كل ما يعتبره العالم ضروريًا: الممتلكات، والمراكز، والثروة، والزواج، والاستقلالية، والمشاريع الشخصية، وضمانات المستقبل.
في الظاهر، يبدو أنهم لا يملكون شيئًا. أما في الداخل، فهم يخوضون حربًا مستمرة ضد الأفكار، وضد الأهواء، وضد العدو غير المنظور. فالراهب لا يمتلك حتى إرادته الخاصة، لأنه قدمها لله بطاعة كاملة. والراهبة لا تعيش لتحقيق رغباتها، بل لتصبح هيكلًا حيًا للروح القدس.
إن الفقر الرهباني ليس مجرد فقر مادي. بل هو فقر الأنا. إنه تقديم الذات كاملة لله. وكذلك يعيش الأسقف، بطريقة ما، هذا الفقر الروحي. فحتى عندما يدير مؤسسات كبيرة، فإنه لا يمتلك شيئًا منها حقيقةً. اليوم هو في أبرشية. وغدًا قد يُرسل إلى أخرى. اليوم يُمدَح. وغدًا قد يُنتقَد. اليوم يُستقبَل بالتكريم. وغدًا قد يجد نفسه وحيدًا أمام قرارات مؤلمة للغاية.
إن الثروة الوحيدة التي يمتلكها حقًا هي الصليب. ولعل هذا هو الوهم الكبير الذي تصنعه المظاهر. فالعالم يقيس الغنى بما يستطيع الإنسان أن يجمعه. أما المسيح فيقيس الغنى بما يستطيع الإنسان أن يقدمه. العالم يعجب بمن يظهر عظيمًا. أما المسيح فيمجد من يخدم بتواضع. العالم يكرم من يأمر. أما المسيح فيرفع من يغسل أقدام إخوته.
وعندما يدرك المؤمن هذه الحقيقة، فإنه لا ينظر إلى الأسقف بوصفه مجرد صاحب سلطة، بل يراه إنسانًا يحتاج أيضًا إلى صلوات الكنيسة.
وهذا ينطبق كذلك على الكاهن، والراهب، والراهبة. فكلهم يحملون مسؤوليات خفية لا تظهر في الصور ولا أمام عدسات الكاميرات.
إن الروحانية الأرثوذكسية لم تفصل يومًا بين الكرامة والمسؤولية. فكلما عظمت الخدمة، عظم الحساب أمام الله. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم يمتلك الأسقف؟ بل هو: كم يقدّم من ذاته كل يوم؟
فهذه هي الثروة الوحيدة التي تبقى في ملكوت الله. لأنه في نهاية الحياة، لن ترافق الأسقف عصا الرعاية، ولا التاج، ولن ترافق أي إنسان كراماته وألقابه. بل سيقف الجميع أمام المسيح بما قدموه حبًا لله وللإنسان. وربما سنكتشف حينئذٍ أن الذين بدا أنهم يملكون كل شيء، كانوا في الحقيقة أكثر الناس تجردًا، لأنهم بذلوا ذواتهم لكي يجد الآخرون طريق الخلاص.

No comments:
Post a Comment