بيت لحم - موقع الفادي
كتب الاب ابراهيم فلتس
في الأرض المقدسة، وللمرة التي لا تُحصى، تتصاعد دوامة العنف التي لم تغادر هذه الأرض يومًا. عنفٌ يتسع ليشمل موجاتٍ جديدة من الانتقام، ويُطيل قوائم الضحايا ، ويُضيّق آفاق السلام، ويُغلق العقول والقلوب خلف أسوارٍ من الأسلاك الشائكة.
من يملك القدرة؟ ومن تقع عليه المسؤولية لوقف هذا الانفجار المتواصل من انعدام الإنسانية؟
الضفة الغربية تحترق، وتنزف، وتصرخ من شدة الألم والمعاناة. وكما هو حال غزة، فقدت الضفة الغربية أيضًا ملامحها ومساحاتها، ولم تعد الأرض التي عرفها أهلها. إنها أرضٌ مُزِّقت جغرافيًا واجتماعيًا، ومزّقتها جراحٌ عميقة، وأُهينت هويتها التاريخية.
كل زاوية من هذه الأرض تتعرض يوميًا للعنف والدمار، وكل من يعيش عليها يعاني من الحرمان والقيود والألم والإذلال، وهي معاناة تتفاقم يومًا بعد يوم. يموت الناس في حربٍ غير مُعلنة رسميًا، حربٌ مستمرة تمتد إلى كل مكان، وتحصد الأرواح بصمت.
لم يعد بالإمكان إحصاء المنازل والأراضي التي أُحرقت، ولم يعد الانتقال من مدينة إلى أخرى، حتى وإن كانت قريبة، أمرًا ممكنًا. فقد أصبح الوصول إلى المستشفى لتلقي العلاج، أو الذهاب إلى العمل، أو زيارة الأقارب، أو حتى حماية قطعة أرض صغيرة تملكها العائلة، تحديًا كبيرًا، في ظل اعتداءات المستوطنين المتطرفين واستيلائهم على الأراضي بطرق غير قانونية وبالعنف.
أتلقى باستمرار نداءات استغاثة من أشخاص أصبحت احتياجاتهم ملحّة وخطيرة، ويصعب تلبيتها. واليوم، باتت الحواجز العسكرية، التي تجاوز عددها الألف، إضافة إلى نقاط التفتيش المفاجئة، تُشكّل المشهد اليومي في الضفة الغربية، بعدما كانت الحقول المزروعة، وأشجار الزيتون الممتدة، وقطعان الماشية، والمدن والقرى النابضة بالألوان والأصوات والحياة، هي التي ترسم ملامح هذه الأرض.
وعلى مرّ السنين، أحاطت المستوطنات بكل قرية، وبكل مظاهر الحياة الاجتماعية. فهي لا تحيط بالحياة الفلسطينية لتحتضنها، بل لتخنقها وتخنق معها أحلام الشباب الذين لم يعودوا قادرين حتى على تخيّل مستقبلهم، وتهدم آمال من أمضوا سنواتٍ طويلة في بناء حاضرهم، وتسرق ابتسامات الأطفال وأحلامهم، وهم يرون أرضهم تحترق، وتُسلب، وتفقد ألوانها.
هناك آباء وأمهات لا يستطيعون نقل أطفالهم المرضى إلى المستشفيات لتلقي العلاج، وأبناء لا يتمكنون من الوصول إلى والديهم المسنين والمرضى، وربّات وأرباب أسر يُمنعون عند الحواجز من الذهاب إلى أعمالهم. هذه ليست حالات استثنائية، بل واقع يعيشه أهل الضفة الغربية منذ أشهر، بل منذ سنوات.
الناس يعيشون في حالة من اليأس والخوف، بسبب الاعتداءات المتكررة التي يرتكبها المستوطنون المتطرفون، والتي تنشر الرعب بين الأبرياء، حتى أصبح كثيرون لا يشعرون بالأمان داخل بيوتهم، حيث يفترض أن يجد الإنسان الملجأ والحماية.
إن النداءات الملحّة التي يطلقها قداسة البابا لوقف العنف يجب أن تجد آذانًا صاغية، سواء لدى من يمارس هذا العنف أو لدى من يملك القدرة على وقفه، لأن الصمت أمام هذه المأساة لا يقل خطورة عن استمرارها.
إن الانتخابات المعلنة، التي ستُجرى في الأشهر المقبلة في إسرائيل وفلسطين، ينبغي أن تُشكّل فرصةً لبدايةٍ جديدة، تُعيد شيئًا من العدالة، وتفتح الطريق أمام توازنٍ حقيقي يضمن كرامة الشعبين.
ومع كل هذا الألم، يبقى الرجاء حيًّا في قلوب المؤمنين. فالذين يضعون ثقتهم في الله لا يفقدون الأمل أبدًا، بل يؤمنون بأن مجرى التاريخ، مهما بدا مظلمًا، قادرٌ على أن يتغيّر، وأن السلام الذي يبدو بعيدًا اليوم قد يصبح غدًا حقيقةً.

No comments:
Post a Comment