آية اليوم

Monday, May 11, 2026

المونسنيور دو ويلمون يحذّر: الوجود المسيحي في الشرق يواجه تهديدًا غير مسبوق

 


رام الله - موقع الفادي

كتب سند ساحلية

حذّر المونسنيور هوغ دو ويلمون، المدير العام لجمعية "العمل من أجل الشرق" الفرنسية (L’Œuvre d’Orient)، من التحديات الوجودية غير المسبوقة التي يواجهها مسيحيو الشرق، والتي تهدد استمرار حضورهم التاريخي في بلدانهم، وفي مقدمتها الهجرة المتزايدة، والأزمات الاقتصادية، والحروب التي تضرب المنطقة منذ سنوات. وشدّد على أن الحفاظ على الوجود المسيحي في الأرض المقدسة والشرق الأوسط لم يعد قضية تخص جماعات محلية فحسب، بل بات "مسؤولية كنسية وإنسانية مشتركة".
وفي مقابلة خاصة بمناسبة مرور 170 عامًا على تأسيس الجمعية، استعرض دو ويلمون مسيرة "عمل الشرق"، التي تأسست عام 1856 تحت اسم "أعمال مدارس الشرق"، موضحًا أن رسالتها بقيت "وفية بعمق لحدسها التأسيسي"، والمتمثل في دعم مسيحيي الشرق انطلاقًا من التعليم. وقال إن مؤسسي الجمعية آمنوا منذ البداية بأن "تَكوين العقول هو أول فعل تضامني"، وهي القناعة التي لا تزال تشكل جوهر عمل المؤسسة حتى اليوم.
وأوضح أن التعليم بقي المحور الأساسي لرسالة الجمعية، لأنه "يساهم في بناء مجتمعات مستقرة ويحد من الهجرة"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن طبيعة الأزمات التي شهدتها المنطقة دفعت المؤسسة إلى توسيع نطاق عملها ليشمل الصحة والمساعدة الاجتماعية والإغاثة الإنسانية الطارئة، خصوصًا في البلدان التي تراجعت فيها قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية.
وأضاف أن "عمل الشرق" تعمل أيضًا على دعم مشاريع طويلة الأمد، تشمل بناء المدارس والمستشفيات والمراكز الاجتماعية، إلى جانب الحفاظ على التراث المسيحي المادي وغير المادي، الذي وصفه بأنه "الذاكرة الحية للجماعات المسيحية في الشرق". وأشار إلى أن الجمعية طورت حضورًا ميدانيًا منظمًا عبر مكاتب محلية ومتطوعين شباب يتم إرسالهم إلى المجتمعات التي تدعمها المؤسسة، فضلًا عن دورها في نقل صوت مسيحيي الشرق إلى صناع القرار في أوروبا والمؤسسات الدولية.
وفي حديثه عن واقع المسيحيين اليوم، وصف دو ويلمون الوضع بأنه "يبعث على قلق عميق"، مشيرًا إلى أن الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية "تُضعف المجتمعات بأكملها"، بينما يتحمل المسيحيون في كثير من الأحيان آثارها بصورة مضاعفة. وقال: "التحدي الأكبر اليوم هو الهجرة، ففي عدة بلدان تواجه جماعات مسيحية عريقة خطر التلاشي بسبب غياب الآفاق الاقتصادية والأمن".
وأكد أن الهدف الأساسي لعمل الجمعية هو تمكين الناس من البقاء في أرضهم بكرامة، عبر دعم التعليم والصحة وفرص العمل. وأضاف: "خلف كل مدرسة تُفتح أو مستوصف يُدعَم، هناك عائلة تختار البقاء". ورغم الظروف الصعبة، عبّر عن إعجابه بما وصفه بـ"صمود مسيحيي الشرق وروح الشهادة لديهم"، معتبرًا أنهم يواصلون أداء دورهم كـ"صانعي سلام وحوار" رغم الحروب والأزمات التي لم يختاروها.
ووجّه المدير العام لـ"عمل الشرق" رسالة مباشرة إلى مسيحيي أوروبا والولايات المتحدة، مؤكدًا أن مسيحيي الشرق "ليسوا فقط جماعات تعاني، بل هم غنى للكنيسة جمعاء". وقال إن الدعم المطلوب لا يقتصر على الصلاة، رغم أهميتها، بل يجب أن يترافق مع "تضامن ملموس" عبر دعم المشاريع التعليمية والصحية والاجتماعية، ونقل واقع هذه الجماعات إلى الرأي العام.
كما دعا الكنائس والمجتمعات الغربية إلى التعريف بصورة أوسع بقضية مسيحيي الشرق داخل الرعايا والمدارس والجامعات، وإيصال صوتهم إلى المسؤولين السياسيين، مشيرًا إلى أن "تحرك المجتمع الدولي يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا". وأكد أهمية بناء علاقات مباشرة مع مسيحيي الشرق عبر التطوع واللقاءات وبرامج التوأمة، لافتًا إلى أن هذه الخبرات "تترك أثرًا عميقًا في الشباب المشاركين".
وعن التحديات المستقبلية، رأى دو ويلمون أن الجمعية تواجه ثلاثة تحديات رئيسية خلال السنوات المقبلة. أولها تسارع وتيرة هجرة المسيحيين من الشرق الأوسط، ما يجعل دعم من يختارون البقاء "أولوية ملحّة". وثانيها الحفاظ على التعليم والتراث في مناطق الأزمات، لأن الأمر "لا يتعلق بالمباني فقط، بل بالذاكرة الحية لحضارات كاملة". أما التحدي الثالث، فيتمثل في صعوبة الحفاظ على اهتمام دولي مستدام في ظل تعدد الأزمات الإنسانية حول العالم، الأمر الذي يتطلب "توسيع قاعدة الدعم وتعزيز جهود التوعية".
وفي ختام حديثه، وجّه دو ويلمون رسالة روحية إلى مسيحيي الشرق، عبّر فيها عن "تقدير عميق وقرب دائم"، مؤكدًا أن "أمانتهم وشجاعتهم ورجاءهم تشكّل شهادة للكنيسة كلها". وأضاف أن حضورهم "أساسي في بلدانهم، فهم ليسوا فقط ورثة تاريخ، بل أيضًا حَمَلة مستقبل".
وفي هذا السياق، استعاد دعوة البابا لاوون الرابع عشر إلى "سلام منزوع السلاح ومجرّد من العنف، متواضع ومثابر"، مؤكدًا أن السلام الحقيقي يقوم على احترام سيادة الدول والقانون الدولي. وختم بالقول: "ليعلموا أننا إلى جانبهم على المدى الطويل، بعزم وثقة. الزيارات المنتظمة التي أقوم بها إلى هذه البلدان هي تعبير ملموس عن أننا لا ننساهم ونبقى إلى جانبهم".

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot