رام الله - موقع الفادي
كتب سند ساحلية
أصدر الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، رسالة مطوّلة إلى أبرشية القدس بعنوان: "رَجَعوا إِلى أُورَشَليم وهُم في فَرَحٍ عَظيم". وقد جاءت هذه الرسالة بوصفها وثيقة رعوية غير اعتيادية، تتجاوز البيانات البروتوكولية المعتادة، لتقدّم قراءة روحية معمّقة للواقع الذي يعيشه المسيحيون الفلسطينيون وسط الحرب والمعاناة.
ويطرح البطريرك سؤالاً وجودياً يرافق المؤمنين في هذه المرحلة: كيف يمكن للكنيسة أن تعيش دعوتها في أرض مضطربة سياسياً وعسكرياً وروحياً؟ وكيف يستطيع المسيحيون أن يبقوا شهوداً للرجاء في قلب صراع طويل ومفتوح؟
منذ السابع من أكتوبر 2023، وما تبعه من حرب في غزة، دخل الفلسطينيون مرحلة مأساوية جديدة في سياق طويل من التهجير والإذلال. وفي هذا الإطار، يرفض البطريرك الاكتفاء بالتحليلات أو بيانات الإدانة، مؤكداً أن المطلوب هو قراءة روحية للزمن الراهن، تساعد المؤمنين على التمييز، وتمنحهم القدرة على الصمود والرجاء.
قراءة الواقع
يبدأ البطريرك رسالته بتشخيص صريح للوضع القائم، مشيراً إلى أن حرب أكتوبر 2023، وما رافقها من أحداث، زلزلت حياة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. فبالنسبة للفلسطينيين، تمثل هذه المرحلة امتداداً لمسار طويل من الظلم والاقتلاع، فيما يعيش الإسرائيليون صدمة غير مسبوقة.
وتضع الرسالة إصبعها على جراح المسيحيين الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وغزة. فهي تصف تفكك الروابط الإنسانية، وانتشار الكراهية، وتراجع الثقة المتبادلة، كما تكشف عن أزمة اقتصادية خانقة ناجمة عن غياب الحجاج وإغلاق الأراضي الفلسطينيّة، الأمر الذي ترك مئات العائلات بلا عمل أو دخل ثابت.
وفي موازاة ذلك، يعزف كثير من الشباب عن الزواج والإنجاب، فيما تتفاقم أزمة السكن، وتعود الهجرة لتفتح جرحاً قديماً يهدد بتفريغ الأرض من أهلها الأصليين.
هذا الواقع لا يمكن اختزاله في الأرقام والإحصاءات، بل هو معاناة يومية يعيشها المؤمنون، ويضع الكنيسة أمام مسؤولية مضاعفة في تثبيت الناس بأرضهم وهويتهم. كما يشير البطريرك إلى أن فقدان الثقة قد يصل إلى حد فقدان الإيمان بالله، وهو تحدٍّ روحي عميق يواجه الجماعات المسيحية في فلسطين.
ومع ذلك، تشير الرسالة إلى وجود مبادرات محلية وجمعيات شعبية لم تتوقف عن العمل رغم الأنقاض، وهي مبادرات تشكّل ملامح إنسانية حقيقية يمكن أن ينبثق منها مشروع عيش مشترك، بعيداً عن عجز المؤسسات الدولية.
الرؤية الروحية
في هذا القسم، يقدّم البطريرك رؤية مستوحاة من أيقونة أُورَشَليم (بفتح الراء) في الكتاب المقدس، باعتبارها نموذجاً روحياً يوحّد هوية الكنيسة الممتدة على فلسطين والأردن وقبرص وإسرائيل.
فأُورَشَليم، في هذا التصور، ليست مجرد مكان جغرافي، بل رمز للعيش المشترك وللهوية الجامعة. وهي قلب الكنيسة المحلية، وموضع الفداء الذي يحفظ ذاكرة الجماعة المسيحية ورسالتها.
وتؤكد الرسالة أن الكنيسة، رغم تجذّرها في السياق العربي، تحمل رسالة شمولية تحتضن جميع سكان المنطقة. وهنا يظهر البعد اللاهوتي بوضوح، إذ تُدعى الكنيسة إلى أن تكون علامة رجاء وسط الحرب، وأن تقرأ الزمن الراهن من منظور مسيحي يميز حضورها ويجعل شهادتها مفهومة للآخرين.
أما الرجاء، كما يطرحه البطريرك، فليس مجرد شعور داخلي أو عزاء روحي، بل فعل مقاومة روحية واجتماعية، يتجلّى في الإصرار على الاعتراف بإنسانية الآخر، وفي بناء جسور العيش المشترك حتى وسط الصراع.
وهو رجاء يولد من قلب الألم، ويعلن أن الكرامة الإنسانية لا يمكن محوها، وأن الحياة أقوى من الموت مهما اشتدت المعاناة. ومن هذا المنطلق، تصبح أُورَشَليم رمزاً للكنيسة الجامعة التي، رغم جراحها، تبقى شاهدة على إمكان قيام حياة مشتركة قائمة على العدالة والكرامة.
تطبيقات رعوية
لا تبقى الرؤية الروحية، في الرسالة، عند حدود التأمل، بل تتحول إلى دعوة عملية. فالبطريرك يشدد على ضرورة ترجمة هذه الرؤية إلى خطوات ملموسة في حياة الرعايا والعائلات والمدارس والمؤسسات الكنسية.
وتبرز الرسالة دور المبادرات الشعبية والجمعيات المحلية التي لم تتوقف عن العمل رغم الأنقاض، معتبرة إياها من مهندسي إعادة الإعمار الحقيقيين. كما تحذّر من ظاهرة الاستقطاب والانغلاق داخل المجتمعات، حيث ينسحب الناس إلى مجموعات مغلقة بفعل الإعلام الرقمي، بما يهدد إمكان العيش المشترك.
وبالنسبة للمسيحيين الفلسطينيين، الذين يشكلون أقلية عددية صغيرة، يصبح التحدي مضاعفاً: كيف يحافظون على انفتاحهم وشهادتهم في بيئة تتجه نحو الانغلاق؟ هنا تبرز دعوة الكنيسة إلى أن تكون "نحن" جامعة، لا جماعة متقوقعة على ذاتها.
فهذه المؤسسات ليست مجرد هياكل تعليمية أو رعوية، بل أدوات حقيقية لتثبيت الناس في أرضهم، ومنحهم الأمل في مستقبل أفضل. وهي أيضاً منصات لتجسيد الشهادة المسيحية في المجتمع، عبر خدمة الفقراء، والتنديد بالظلم، وتعزيز ثقافة الرجاء.
أثر الرسالة في السياق المحلي
من يقرأ الرسالة من منظور مسيحي فلسطيني، يدرك أنها ليست نصاً لاهوتياً مجرداً، بل صرخة إنسانية موجّهة إلى العائلات التي تعاني البطالة، وإلى الشباب الذين يفكرون بالهجرة، وإلى الجماعات التي فقدت الثقة بالمستقبل.
إنها محاولة لإعادة بناء الثقة، وللتأكيد أن الكنيسة حاضرة مع أبنائها، تشاركهم الألم، وتدعوهم إلى الصمود.
والحديث عن "فرح عظيم" في العنوان ليس إنكاراً للمعاناة، بل إعلان بأن الرجاء المسيحي يمكن أن يولد حتى وسط الحرب، وأن الفرح الحقيقي هو ثمرة الإيمان الذي يرى أبعد من الدمار.
كما تذكّر الرسالة بأهمية المدارس والرعايا والمؤسسات الكنسية في دعم العائلات، وتبرز دور الكنيسة في توفير مساحة للحوار والتفكير المشترك، وفي تعزيز الهوية المسيحية المشرقية المتجذّرة في الأرض المقدسة. وهي قضايا تمس حياة الناس اليومية، وتمنحهم رؤية أوسع لمعنى البقاء والصمود في أرضهم رغم التحديات.
شهادة حيّة في موطن يسوع
في نهاية المطاف، تضع الرسالة أمام المسيحيين تحدياً وجودياً يتمثل في البقاء كشهادة حيّة في الأرض المقدسة، موطن يسوع، حيث يصبح حضورهم علامة رجاء وصمود يتجاوز حدود الأرقام والإحصاءات.
وهذا البقاء ليس مجرد حضور عددي، بل شهادة روحية وإنسانية تقول للعالم إن الكنيسة، رغم صغرها، قادرة على أن تكون نوراً وسط الظلام.
وفي زمن تتفكك فيه الروابط وتتصاعد فيه الكراهية، تصبح الجماعة المسيحية علامة أمل، وصوتاً للكرامة الإنسانية، وجسراً للسلام.
وهكذا، فإن رسالة البطريرك بيتسابالا ليست مجرد وثيقة رعوية، بل دعوة صريحة إلى أن يعيش المسيحيون إيمانهم بجرأة، وأن يتمسكوا بأرضهم وهويتهم، ليظلوا شهوداً للرجاء في قلب الأرض المقدسة.

No comments:
Post a Comment