«أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ، الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ».سفر التثنية 30:19
في هذا النص الإلهي لا يُقدَّم الإنسان ككائنٍ خاضعٍ لحتمية مغلقة أو قدرٍ مفروض، بل ككائنٍ مخلوق على صورة الإله ومثاله، يحمل في داخله عقلًا وإرادةً وحرية اختيار، ويقف أمام طريقين واضحين: الحياة أو الموت، البركة أو اللعنة. إن هذا الإعلان ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل كشفٌ عن طبيعة العلاقة بين الإله والإنسان، علاقة تقوم على الدعوة لا على الإكراه، وعلى الاختيار لا على الجبر. لذلك يأتي النداء: «اختر الحياة»، ليؤكد أن الإنسان مسؤول عن مساره، وأن الحياة ليست نتيجة تلقائية تُفرض عليه، بل قرار يُتَّخذ في ضوء ما وُضع أمامه من حقٍّ وخيرٍ وحقيقة. فالحرية هنا ليست فكرة فلسفية مجردة، بل جوهر الكرامة الإنسانية التي منحها الإله للإنسان منذ البدء. وفي امتداد هذا الإعلان، يأتي العهد الجديد ليكشف أن هذه الحياة التي دُعي إليها الإنسان لا تتحقق بقوة الإنسان الذاتية، بل تُمنح كنعمة في المسيح يسوع، ابن الإله، عطية مجانية لا تُستحق بالأعمال ولا تُنال بالاستحقاق، بل تُقبل بالإيمان. وهنا يتجلى عمق الانتقال من الناموس إلى النعمة، دون إلغاء مبدأ الحرية، بل تأكيده بصورة أعمق. ففي المسيح لا يعود الإنسان فقط أمام وصية، بل أمام حياة مُعطاة، يُدعى أن يدخل فيها ويثبت فيها. غير أن هذه النعمة، رغم مجانيتها، لا تُلغي مسؤولية الإنسان، بل تضعه أمام دعوة مستمرة للاستجابة. لذلك فإن الإيمان الحقيقي ليس إعلانًا لحظيًا، بل مسار حياة، يظهر في الثبات، وفي التوبة، وفي السلوك، وفي الانفتاح المستمر على عمل الإله في الإنسان. ومن هنا يظهر مفهوم حفظ النعمة في ضوء العهد الجديد: ليس بمعنى أن الإنسان يربح الخلاص بأعماله، بل بمعنى أن الخلاص الذي ناله بالمسيح يُترجم إلى حياة جديدة. فالطاعة ليست ثمنًا للخلاص، بل ثمرة له. وحفظ الوصايا ليس محاولة لشراء رضا الإله، بل هو السير في الطريق الذي ينسجم مع إرادة الإله التي أُعلنت في المسيح يسوع. فالمؤمن الذي قبل النعمة مدعو أن يعيشها، وأن يسلك بحسبها، وأن يثبت فيها، لأن الإيمان إن لم يُترجم إلى حياة، يبقى إعلانًا ناقصًا. لذلك تتجلى الحياة المسيحية كمسيرة مستمرة بين النعمة والاستجابة: نعمة تُمنح من الإله، واستجابة حرة من الإنسان، تتجدد كل يوم في الفكر والسلوك والقرار. وهكذا لا ينفصل العهد القديم عن العهد الجديد، بل يتكاملان في خط واحد: في الأول تُطرح الحياة كاختيار أمام الإنسان، وفي الثاني تُمنح الحياة كنعمة في المسيح، لكن في كليهما يبقى الإنسان حرًا ومسؤولًا، مدعوًا لأن يختار الحياة، وأن يثبت فيها، وأن يسلك بحسبها. فالخلاص في جوهره ليس إلغاءً للحرية، بل اكتمالها في المسيح يسوع. وليس إعفاءً من المسؤولية، بل إدخالًا للإنسان في علاقة حيّة مع الإله، علاقة تُبنى على الإيمان، وتُحفظ بالطاعة، وتُثمر في السلوك، وتستمر في الثبات. وفي النهاية، تبقى الرسالة الواحدة الممتدة عبر الكتاب: أن الإله يقدّم الحياة، والإنسان يُدعى أن يقبلها بالإيمان، وأن يعيشها بالطاعة، وأن يحفظها بالثبات، حتى يصير الإيمان ليس فكرة، بل حياة، وليس إعلانًا، بل مسيرة، وليس لحظة، بل وجودًا كاملًا أمام الإله الحي… …من همسات الروح…

No comments:
Post a Comment