اربيل - موقع الفادي
ذ حَمَلَ الرّسُل الأوائل البشرى السارّة إلى أرجاء العالم وأقطاره الأربعة، أسّسوا في أرجائه كنائسَ وسط شعوبٍ مختلفة أسهَمَت ثقافاتها وحضاراتها وتقاليدها المتعدّدة في تنوّع هذه الكنائس وغناها، فعاشَ مؤمنو جميعها حقيقة إيمانهم وعبّروا عنه بلغاتٍ وليتورجيا تنتمي إليهم.
قد يُثير هذا التنوّع الكبير تساؤلاتٍ إزاء تعدّد الكنائس رغم وحدة الإيمان. لكنّ الأب ألبير هشام، رئيس تحرير مجلّتَي «نجم المشرق» و«بين النهرَين» ومدير المكتب الإعلاميّ للبطريركيّة الكلدانيّة، شرح في حديثه أنّ انفتاح المسيحيّة على الثقافات المختلفة أسهَم في تنوّع كنائسها وغناها.
تنوّعٌ مُغنٍ
وأكّد أنّ المسيحيّة لم تأتِ لتفرض أسلوبًا معيّنًا على الشعوب المؤمنة بها، بل تبنّت حضارات هذه الشعوب وثقافاتها، وعِوَض إبطال بعض عاداتها وتقاليدها، أضفَت عليها روحًا ومعنًى مسيحيَّين، غيَّرا جوهرها وحوّلا معناها ودلالاتها ورموزها لِتتّجه نحو المسيح، «وهذا ما ينطبق على كثير من جوانب إيماننا».
وفي شأن تعدّد الكنائس، شدّد هشام على ضرورة التمييز بين «تنوّع الكنائس المتمايزة بغنى ثقافتها وتراثها، واختلاف الكنائس الناتج عن خلافات تاريخيّة، دون غضّ النظر عن الحقيقة التاريخيّة المؤلمة حول الانشقاقات المؤسفة في القرن الخامس». وأردف: «كلاهما أسهما في نشوء واقع تنوّع الكنيسة وغناها: ثقافةً وليتورجيا وتراثًا».
إيمانٌ واحد وثقافات متعدّدة
وسط هذا التنوّع والغنى، تَسلَّمنا، نحن أبناء الكنائس المشرقيّة على سبيل المثال، وديعةَ الإيمان بالتواتر عن آبائنا، ضمن محيط ثقافات المشرق وتقواه، المختلفة بطبيعة الحال عن الإيمان في محيط ثقافات الغرب وحضارته وتقواه.
وبين هذا وذاك، «تدعونا الكنيسة أمّنا إلى أن نلتزم إيمان كنيستنا التي وُلِدنا فيها بالمعموديّة، لأنّه يُعبّر عن إيمان الجماعة التي وُلِدنا في وسطها، متّحدين مع الكنائس الأخرى بإيمانٍ واحد بيسوع المسيح، مستفيدين من خبرة بعضنا بعضًا، ومتعلِّمين من طرق عيش الإيمان، ومن التقاليد المختلفة التي يتمتّع بها الآخرون»، وفق هشام.
وأكّد أنّ الإيمان يبقى واحدًا مهما اختلفت الأماكنُ وتباينت الثقافات، وأنّ اختلاف طرق تجسيده والتعبير عنه في المجتمعات المتنوّعة يجب ألّا يُشكِّل خلافًا إطلاقًا. و«مثلها الأمور المتعلّقة بالجوانب الإداريّة والمؤسّساتيّة في الكنيسة، التي ينبغي ألّا تلغي الروح الواحد. لذا، تجتهد الكنيسة دائمًا في سعيها إلى تغليب الروحيّ على المادّيّ، وإضفائه على الجانب المؤسّساتي كونه المعرّض بالأكثر لخطر أن يفقد الروح».
وختم هشام: «يَفيضُ إيمانُنا المسيحيّ علينا روحًا يُحيينا، ولا حياة لنا من دونه. هذا الروح الواحد الحالّ في جميع المؤمنين المسيحيّين الحقيقيّين يوحِّدنا وينتصر في النهاية على كلّ خلافات الجسد، وعلى كلّ الخطايا المرتكبة ضدّه. فلنُصلِّ كي ينتصر الروح فينا وفي كنيستنا».
المصدر: جورجينا حبابة، آسي مينا.

No comments:
Post a Comment