آية اليوم

Tuesday, March 17, 2026

عشرة أيّام من الحرب، وعشرة أيّام من الأخوّة اليوميّة

 


القدس - موقع الفادي

في هذه الأيّام، بينما كانت الحرب بين إسرائيل وإيران تثير التوتّر والقلق في مختلف أنحاء المنطقة، عاشت أديار حراسة الأرض المقدّسة بدورها فترة غير عاديّة ومكثّفة.

فالإجراءات التي أصدرتها السلطات منعت الكثير من العمّال من الوصول إلى أماكن عملهم. وبالنسبة إلى جماعاتنا، عنى ذلك أن نجد أنفسنا فجأة من دون المساعدة القيّمة للأشخاص الذين يتعاونون يوميًّا مع الرهبان في البيوت، وفي المدارس، وفي المرافق التي تستقبل الحجّاج.

وهكذا بقي الرهبان داخل الأديار والمؤسّسات التابعة للحراسة، وواصلوا حياتهم الجماعيّة، متولّين بأنفسهم جميع الخدمات التي تُنجَز عادةً بالتعاون مع العاملين. فالطبخ، والتنظيف، وإدارة المساحات المشتركة، وجمع النفايات، والاهتمام بالساحات والحدائق، صارت كلّها مسؤوليّة مشتركة تعيشها الأخوية يومًا بعد يوم.

وفي بعض الأديار، مثل المجمّع الفرنسيسكاني الكبير الذي يضمّ أكثر من سبعين راهبًا، كان التحدّي ملموسًا بشكل خاص. فإعداد الغداء والعشاء لهذا العدد الكبير يتطلّب تنظيمًا ووقتًا وأيادي كثيرة. وهكذا، بين القدور والأطباق ونوبات العمل في المطبخ، تناوب الرهبان على الوقوف عند الموقد، فتحوّلت قاعة الطعام إلى مكان أكثر حيويّة للتعاون الأخوي.

أمّا أعمال التنظيف فكانت تحتاج بدورها إلى التزام دائم. فالممرّات والساحات والدرَج والكنيسة وقاعة الطعام والمساحات المشتركة ظلّت محل عناية خاصة. فبعضهم كان يكنس، وآخرون يغسلون الأرضيّات، وغيرهم يهتمّ بالحديقة أو بجمع النفايات؛ وهي أعمال صغيرة شكّلت إيقاع الحياة اليوميّة في الجماعات.

وقد جاء أيضًا عون غير متوقّع من القرار القاضي بتعليق الدروس الجامعيّة في تلك الأيّام. فالكثير من الرهبان الطلّاب، إذ لم تكن لديهم دروس يحضرونها، استطاعوا أن يخصّصوا وقتًا أكبر للأعمال اليدويّة وللخدمات المنزليّة داخل الجماعة.

وكانت هذه الخبرة بالنسبة إلى كثيرين فرصة ملموسة لإعادة اكتشاف قيمة العمل اليدوي والتعاون اليومي. وفي الوقت عينه، ساهمت في تنمية شعور متجدّد بالامتنان تجاه الأشخاص الذين يعملون عادةً في بيوتنا. فهم يقومون غالبًا بخدمات متواضعة وقليلة الظهور، لكنّها أساسيّة لحياة الجماعات.

كما واجهت البيوت التي تستقبل الحجّاج بعض التحدّيات غير المتوقّعة. فبعض المجموعات الصغيرة التي كانت موجودة في الأرض المقدّسة عند اندلاع النزاع وجدت نفسها عالقة وغير قادرة على مغادرة البلاد، بسبب توقّف الرحلات وعدم توفّر حجوزات في أماكن إقامة أخرى. لذلك فتحت بيوت «كازا نوفا»

الفرنسيسكانيّة أبوابها بسخاء لاستقبال الحجّاج المحتاجين إلى مأوى وطعام. وكان لكلّ واحد منهم باب مفتوح وسقف آمن إلى أن حان موعد عودتهم، التي تمّت عبر مصر.

وهكذا استمرّت الحياة في أديار الأرض المقدّسة، بين الصلاة والأخوّة والعمل المشترك. ففي زمنٍ يطبعه عدم اليقين، وجدت الحياة اليوميّة إيقاعها في تلك الأعمال البسيطة والملموسة التي تُبقي الجماعة حيّة. وفي هذه الأعمال، التي غالبًا ما تكون خفيّة، تجدّدت خبرة الأخوّة التي تعتني بالبيت المشترك وبالأشخاص الذين يعيشون فيه، من دون أن تكفّ عن الصلاة من أجل السلام وعودة الحياة إلى مسارها الطبيعي.

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot