القدس - موقع الفادي
كتب المطران عطا الله حنا رئيس اساقفة سبسطية للروم الارثوذكس
في الوقت الذي ينهمك فيه الكثيرون بالحرب الراهنة وتداعياتها وأخطارها ونتائجها، فإن هنالك أحداثًا مروعة تحدث في الضفة الغربية، حيث نشهد إمعانًا وتوسعًا في رقعة الاعتداءات العنصرية الهمجية التي يقوم بها المستوطنون، والتي تستهدف الكثير من المواقع والبلدات والقرى في الضفة الغربية، لا سيما بلدة الطيبة، التي يُعتدى على أراضيها وممتلكات سكانها بشكل دائم ومستمر من قبل المستوطنين.
الضفة الغربية تمر بأوضاع في غاية الخطورة، والفلسطينيون يُعاملون فيها بهمجية ووحشية غير مسبوقة، وقد ازدادت وتيرة هذه الوحشية بعد حرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة.
اعتداءات مستمرة ومتواصلة في كل يوم، وتزداد وتيرتها يومًا بعد يوم، ويبدو أن هذه هي رسائل احتلالية للفلسطينيين بضرورة أن يحزموا أمتعتهم ويغادروا وطنهم.
إن ما يحدث حاليًا في الضفة إنما هو سياسة تطفيش ممنهجة، حيث يتم الضغط على الفلسطينيين وابتزازهم في لقمة عيشهم وحياتهم الطبيعية لكي يغادروا بلدهم وأرضهم المقدسة.
العالم منهمك بالحرب الراهنة التي نتمنى أن تنتهي قريبًا وسريعًا حقنًا للدماء ووقفًا للدمار، ولكن يبدو أن هنالك شيئًا ما يُخطط للقدس ويُخطط للضفة الغربية في ظل الحالة العربية الراهنة التي فيها وهنٌ وضعف وانحراف للبوصلة.
قبل أيام أُبلغت الكنائس المسيحية في القدس بأنه لن تُعطى تصاريح للمعلمين الذين يدرّسون في مدارس القدس المسيحية وهم من الضفة الغربية، ويجب استبدالهم بأساتذة من القدس.
والغالبية الساحقة من العمال الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية لا يتمكنون من الوصول إلى أعمالهم منذ أكثر من عامين، حيث هنالك اتساع في رقعة البطالة والفقر والعوز.
وفي الوقت الذي ننادي فيه بأن تتوقف الحرب الراهنة، فإننا ننادي أيضًا بضرورة ألّا يتم تهميش القضية الفلسطينية وتجاهل ما يتعرض له الفلسطينيون من مظالم.
غزة المنكوبة يعيش أهلها وأبناؤها في ظل أوضاع مأساوية وكارثية، والضفة الغربية تحولت وكأنها سجن كبير تحيط بها الأسوار والحواجز والبوابات الحديدية بألوانها المختلفة والمتعددة.
ما أود أن أقوله إن كل ما يحدث في منطقتنا، بما في ذلك الحرب الراهنة، إنما هدفه الأساسي رسم خرائط جديدة لمنطقتنا وتغيير ملامح هذا المشرق من خلال سياسة “فرّق تسد” وسياسة تفكيك المفكك وتقسيم المقسم.
إن كل ما يحدث في منطقتنا إنما هدفه تصفية القضية الفلسطينية والنيل من عدالة هذه القضية، واليوم فإن كل مناصر ومدافع عن القضية الفلسطينية يمكن أن يتعرض للتحريض وتوجيه تهم باطلة له، كتهمة اللاسامية وغيرها من التهم الجاهزة.
أن تكون مع فلسطين مدافعًا عنها وعن شعبها المظلوم، هذا يعني أنك إنساناً، سواء كنت مسيحيًا أو مسلمًا أو يهوديًا أو غير ذلك.
مناصرو القضية الفلسطينية هم من كل الأديان ومن كل الخلفيات الثقافية و العرقية ، وفي أمريكا وفي غيرها من الأماكن تتسع رقعة الوعي تجاه عدالة هذه القضية التي يتم التآمر عليها بهدف إنهائها وتصفيتها.
إن مجرد التفكير بتصفية القضية الفلسطينية وشطب وجود الشعب الفلسطيني، إنما هذا لا يساهم في تحقيق السلام المنشود، فالسلام لا يُبنى من خلال تصفية القضية الفلسطينية، بل من خلال حل القضية الفلسطينية حلًا عادلًا يصون حرية وكرامة الإنسان الفلسطيني.
كان الله في عون شعبنا أمام هذا الكم الهائل من المظالم، سواء في غزة أو في الضفة الغربية.
كان الله في عون شعبنا الذي يُعامل وكأنه غريب في بلده وفي وطنه، وكان الله في عون المسيحيين الفلسطينيين الذين تتضاءل أعدادهم يومًا بعد يوم بسبب الأوضاع المعيشية والحياتية السياسات الاحتلالية، وبسبب التصاريح التعجيزية ومنع المواطن الفلسطيني من أن يصل إلى عمله لكي يؤمّن قوتًا لأسرته.
المظالم تستهدف الفلسطينيين جميعًا ولا تستثني أحدًا على الإطلاق، ومن واجب كل إنسان حر مؤمن بقيم العدالة والحرية والسلام أن ينادي برفع هذه المظالم لكي ينعم شعبنا بحياة أفضل ومستقبل فيه صون الكرامة الإنسانية والأمن والأمان والسلام.

No comments:
Post a Comment