آية اليوم

Monday, March 23, 2026

الضغوط تتصاعد… المسيحيّون في القدس يخوضون معركة البقاء

 


القدس - موقع الفادي

في وقت تتزايد فيه الضغوط على الوجود المسيحي في القدس، حذّر جورج عكروش، مدير مكتب التطوير والتنمية في البطريركية اللاتينية في القدس، والمسؤول عن المشاريع الاجتماعية والتربوية التابعة للكنيسة في الأرض المقدسة، من سلسلة إجراءات إسرائيلية متزامنة تمسّ الأرض والتعليم، معتبراً أنها تمهّد لواقع جديد يهدد الاستمرارية الجغرافية والاجتماعية للمجتمع المسيحي.
وتأتي هذه التصريحات في سياق أوسع من القلق الذي عبّر عنه الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، مؤخراً، حول تداعيات إجراءات تتعلق بتسجيل الأراضي وعدم الاعتراف بالمؤهلات الأكاديمية الفلسطينية.
وقدّم عكروش في مقابلة مع «آسي مينا» قراءة للتحديات التي تواجهها المؤسسات الكنسية والمجتمع المسيحي خاصة في القدس، في ظل ما وصفه بسياسات مترابطة تمسّ الأرض والإنسان في آن واحد.
وتأتي هذه التطورات في سياق واقع قانوني وسياسي معقد، حيث تخضع القدس الشرقية لإجراءات تنظيمية وإدارية إسرائيلية خاصة، ويواجه السكان والمؤسسات قيوداً متزايدة تتعلق بالأراضي والتنقل والعمل.
تهديد الملكيات
في ما يتعلق بملف الأراضي، عبّر عكروش عن قلق عميق من قرار الحكومة الإسرائيلية الصادر في شباط/فبراير 2026 باستئناف تسوية وتسجيل الأراضي غير المسجلة منذ ما قبل عام 1967، وهو إجراء قانوني يُستخدم لتحديد وتثبيت الملكيات. وقال: «هذا ليس مجرد إجراء إداري، بل آلية قانونية قد تؤدي إلى إعادة تصنيف مساحات واسعة كأراضي دولة»، مضيفاً أن ذلك «يفتح المجال أمام مصادرة أملاك خاصة وكنسية، ويغيّر الواقع القائم على الأرض».
وتتقاطع هذه المخاوف مع ما أشار إليه الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا في مداخلة حديثة، حيث لفت إلى أن العديد من الأراضي الفلسطينية لا تزال غير مسجلة رسمياً منذ ما قبل عام 1967، ما يجعل وضعها القانوني "معقداً"، محذراً من تداعيات أي تغييرات في هذا الملف على المجتمعات المحلية.
وحذّر عكروش من أن هذه الخطوة قد تمهّد لتكرار نموذج قائم في مدينة الخليل، حيث يؤدي إدخال مجموعات استيطانية إلى داخل الأحياء الفلسطينية إلى خلق واقع يومي متوتر.
وأضاف: «عندما يتم إدخال المستوطنين إلى قلب الأحياء، تتشكل بؤر احتكاك دائمة، ما ينعكس على الحياة اليومية، ويؤثر على الاقتصاد المحلي، ويؤدي تدريجياً إلى تفكك النسيج الاجتماعي».
وأشار كذلك إلى أن هذه السياسات قد تسهم في عزل القدس عن امتدادها الطبيعي في بيت لحم ورام الله، بما يحمله ذلك من تداعيات على وحدة المجتمع واستمراريته.
تحديات تربوية
وحول التعليم، اعتبر عكروش أن عدم اعتراف السلطات الإسرائيلية بالمؤهلات الأكاديمية الصادرة عن الجامعات الفلسطينية للمعلمين في القدس يمثّل «تحدياً خطيراً لهوية المؤسسات التعليمية»،
موضحاً أن هذا القرار يضع المدارس المسيحية أمام خيارات صعبة. وقال: «نحن أمام واقع قد تُجبر فيه المدارس إما على تغيير مناهجها أو خسارة كوادرها التعليمية المؤهلة»، مشدداً على أن هذه المؤسسات تحمل رسالة تربوية وإنسانية تتجاوز حدود الطائفة.
وفي السياق ذاته، أشار الكاردينال بيتسابالا إلى أزمة المعلمين، موضحاً أن مئات المعلمين المسيحيين القادمين من بيت لحم لم يعودوا قادرين على الوصول إلى مدارسهم في القدس، وقال: «لن يتمكنوا بعد الآن من الحضور، وهذا لن يسبب فقط صعوبات مالية لعائلاتهم، بل أيضاً للمدارس التي لن تتمكن من إيجاد معلمين مسيحيين». وأضاف أن هذه ليست سوى «أمثلة توضح مدى تعقيد الوضع بالنسبة لنا جميعاً».
وأوضح عكروش أن المؤسسات المسيحية، التي يبلغ عددها نحو 300 مؤسسة، تؤدي دوراً اجتماعياً واسعاً، إذ تقدّم خدماتها في مجالات التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية لشريحة كبيرة من المجتمع الفلسطيني. وأضاف: «هذه المؤسسات ليست موجهة للمسيحيين فقط، بل تخدم الجميع، وهي جزء أساسي من البنية الاجتماعية في الأرض المقدسة».
ورأى أن هذه الإجراءات تأتي في سياق أوسع يتزامن مع انشغال المجتمع الدولي بأزمات إقليمية متعددة، ما يقلل من مستوى المتابعة الدولية لهذه القضايا. وفي هذا الإطار، استعاد تجربة عام 2018 حين أغلقت الكنائس أبواب كنيسة القيامة احتجاجاً على إجراءات مشابهة، مشيراً إلى أن التحديات الحالية «تأخذ منحى مختلفاً، إذ لم تعد تقتصر على الممتلكات، بل تمتد إلى الكادر البشري نفسه».
وفي ما يخص الأزمة التعليمية الراهنة، كشف عكروش أن منع 232 معلماً من محافظة بيت لحم من الوصول إلى مدارسهم في القدس أثّر بشكل مباشر على 12 مدرسة مسيحية. وقال: «هؤلاء المعلمون يشكلون العمود الفقري للعملية التعليمية، وغيابهم المفاجئ يترك فراغاً يصعب تعويضه».
وأضاف أن «تقديرات البطريركية والمؤسسات التربوية تشير إلى أن تعويض هذا الفقد في الخبرات والكفاءات التربوية المتخصصة، التي تم عزلها قسراً، سيستغرق ما لا يقل عن 15 عاماً، نظراً لطبيعة الخبرة الفريدة التي يمتلكها هؤلاء المعلمون».
تداعيات اجتماعية واقتصادية
وأشار إلى أن تداعيات هذه الأزمة لا تقتصر على التعليم، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والاقتصادي، في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة. وقال: «عندما يفقد المعلم عمله ولا يجد بديلاً، فإن ذلك يضع العائلات أمام خيارات صعبة، من بينها الهجرة»، لافتاً إلى أن هذه الظاهرة تؤثر بشكل خاص على العائلات الشابة.
وفي ختام حديثه، شدد عكروش على أن الكنيسة في الأرض المقدسة، كما أكد الكاردينال بيتسابالا في أكثر من مناسبة، «ليست مجرد حارس للأماكن المقدسة، بل جماعة حية تخدم الإنسان».
وأضاف: «استهداف المدرسة هو استهداف للمستقبل»، داعياً المجتمع الدولي والكنائس في العالم إلى متابعة هذه التطورات عن كثب والعمل من أجل حماية الملكيات التاريخية وضمان حرية وصول المعلمين إلى أماكن عملهم. وأكد أن ما تسعى إليه الكنيسة هو «الحفاظ على حقها الطبيعي في البقاء والخدمة والتعليم في مدينتها المقدسة».
المصدر: آسي مينا

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot