الناصرة - موقع الفادي
كتب نبيل ابو نقولا
الصوم في كنيستنا الشرقية ليس مجرد ممارسة تقوية أو تقليد كنسي، بل هو فعل خلاصي يشترك فيه الإنسان مع نعمة الله في مسيرة استعادة الصورة الإلهية التي تشوّهت بالسقوط. إنه زمن توبة، أي تغيير الذهن والقلب، وعودة واعية إلى الشركة مع الله التي خُلق الإنسان لأجلها منذ البدء. فالفردوس لم يكن مجرد مكان، بل حالة شركة حيّة مع الله، وانسجام كامل بين الروح والجسد، وبين الإنسان وخليقته. ومن هذا المنظور يُفهم الصوم كطريق عودة إلى تلك الحالة الأصلية.
في تقليد الكنيسة الشرقية الصوم هو اشتراك في حركة الكنيسة كلها نحو التألّه، أي اشتراك الإنسان في حياة الله بالنعمة. لذلك فالصوم ليس إنكارًا للخليقة، بل إعادة ترتيب للعلاقة معها؛ ليس رفضًا للجسد، بل تقديسًا له ليصير أداة طاعة للروح ومسكنًا للنعمة يظهر في ثلاثة أبعاد:
١. البعد النسكي – استعادة ترتيب الكيان
النسك في جوهره ليس احتقارًا للمادة، بل مقاومة للأنانية التي شوّهت علاقة الإنسان بالخليقة. ففي الفردوس كانت الرغبات خاضعة للمحبة الإلهية، ولم تكن الشهوة متسلطة على الإرادة. بالصوم يتدرّب الإنسان على الحرية الداخلية، فيتحرر من استعباد اللذة، ويستعيد سيادة الروح على الجسد.
إن الامتناع عن أطعمة معينة هو علامة منظورة لجهاد أعمق: إعادة توجيه القلب من التعلّق بالزائل إلى الشوق إلى الله. وهكذا يصبح الجسد شريكًا في التوبة، لا عائقًا أمامها.
٢. البعد الروحي – تجديد الشركة الإلهية
الصوم بلا صلاة يفقد معناه اللاهوتي، لأنه يتحول إلى ممارسة أخلاقية فحسب. أما حين يقترن بالصلاة والليتورجيا وقراءة الكتاب المقدس، فإنه يصير دخولًا في خبرة الشركة التي فقدها الإنسان بالسقوط.
في الفردوس كان الإنسان يسمع صوت الله ويتمتع بحضوره. وفي الصوم، من خلال التوبة والاتضاع، ينفتح القلب مجددًا لعمل الروح القدس، فيتجدد الذهن، ويتنقّى القلب، ويبدأ الإنسان يختبر عربون الملكوت في داخله. إن الصوم هنا ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتهيئة القلب لاستقبال النعمة.
٣. البعد الكنسي والاجتماعي – استعادة شركة المحبة
الفردوس هو أيضًا شركة محبة، لا عزلة فردية. لذلك لا يكتمل الصوم إلا بأعمال الرحمة والغفران والمصالحة. فالإنسان الذي يعود إلى الله يعود في الوقت نفسه إلى أخيه.
الصوم الحقيقي يُميت روح الدينونة والكبرياء، ويُحيي روح العطاء والوداعة. التقشف الشخصي يتحول إلى اتساع قلبي نحو المحتاج، فيصير الصوم فعل محبة يترجم الإيمان إلى حياة.
الصوم الكبير: عبور من السقوط إلى القيامة
في هذا الصوم الكبير الذي يسبق عيد القيامة، تعيش الكنيسة خبرة العبور: من آدم القديم إلى الإنسان الجديد في المسيح. إنها مسيرة خروج من عبودية الخطيئة إلى حرية مجد أولاد الله. وكما أُغلق الفردوس بسبب العصيان، هكذا يُفتح من جديد بالطاعة والصليب والقيامة. والصوم هو اشتراك عملي في هذا العبور، حيث يموت فينا الإنسان العتيق ليقوم الإنسان المتجدد بنعمة القيامة فنهتف باستحقاق قائلين:
المسيح قام حقًا قام

No comments:
Post a Comment