آية اليوم


Monday, January 5, 2026

علاقة، بلا طقوس

 


القدس - موقع الفادي

كتب المطران تيودور الغندور

أصبحنا نسمع كثيرًا من المؤمنين عبارة تتكرر بصدق، وأحيانًا بتعب روحي واضح: «نريد علاقة، لا طقسًا».
وكثير من الجماعات، داخل المسيحية التاريخية وخارجها، تبنّت هذا الخطاب وجعلته خيارًا رعويًا، فبدأت تقدّم إيمانًا أخفّ، أقل التزامًا، وأقل نظامًا. للوهلة الأولى، يثير هذا الأمر حزنًا. لكن في جوهره، لا يكشف عن نضج روحي، بل عن سوء فهم لطريقة الله في أن يقيم علاقة معنا.
الله لم يُعلن ذاته يومًا خارج الشكل، والنظام، والطاعة.
من مذبح العهد القديم إلى الصليب، ومن العلّية إلى المائدة الإفخارستية، كانت العلاقة مع الله دائمًا متجسدة، ملموسة، ومنظمة. لم تكن يومًا شعورًا داخليًا فقط، ولا تجربة عفوية بلا إطار.
الطقس ليس عدو العلاقة. الطقس هو مدرسة المحبة.
نحن لا نحب الله بالمشاعر فقط، بل بالمشاركة. بالحضور، بالخضوع الإرادي، بضبط الأهواء، وبتقديم أجسادنا ذبيحة حيّة، كما يعلّمنا الرسول بولس. الوصايا، الأصوام، الليتورجية، الأسرار، ليست حواجز أمام القرب من الله، بل هي الوسائل عينها التي من خلالها تتكوّن هذه الإلفة وتنمو وتتطهّر.
رفض الطقس باسم «العلاقة» يعني، في كثير من الأحيان، إعادة تعريف المحبة وفق شروطنا نحن، لا وفق مشيئة الله. عندها تتحوّل الشركة إلى إحساس عابر، والطاعة إلى خيار شخصي قابل للتبديل، والإيمان إلى ما يريحني لا ما يغيّرني.
المسيح لم يقل: «اشعروا أنكم قريبون مني». بل قال: «اتبعوني». وقد أعطانا طريق حياة، لا حالة نفسية. أسلوب عيش، لا مجرد حالة روحية مؤقتة.
في حياة الكنيسة الأرثوذكسية، لا يوجد صراع بين العلاقة والطقس. لأن المحبة، إن لم تُعاش وتُمارس وتُجسّد، تبقى وهمًا. الليتورجية تعلّمنا كيف نحب. الصوم يربّي الرغبة. الصلاة الجماعية تشفي الفردية. والأسرار تشكّل الحياة كلها، لا فقط لحظة ممارستها.
العلاقة التي لا تغيّر أسلوب الحياة ليست شركة. إنها خيال.
العلاقة الحقيقية مع الله لا تهرب من الشكل، بل تتجسّد فيه. وفي هذه الأمانة المتواضعة، المتكررة، وأحيانًا الصامتة، تتحوّل المحبة من فكرة إلى حياة.

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot