القدس - موقع الفادي
تؤكد اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين رفضها المطلق واستنكارها الشديد لاستهداف سلطات الاحتلال الإسرائيلي، للمدارس والمؤسسات التعليمية الفلسطينية، ولا سيما المدارس المسيحية في مدينة القدس المحتلة، من خلال إجراءات تعسفية ومنهجية أدّت إلى تعطيل العملية التعليمية وحرمان مئات الطلبة من حقهم الأساسي في التعليم. وتشكل هذه الممارسات انتهاكًا صارخًا وممنهجًا للحقوق المكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا يمكن تبريرها بأي ذريعة أمنية.
إن نظام التصاريح والحواجز العسكرية الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي يشكّل الأداة الرئيسية لتعطيل التعليم الفلسطيني، حيث يُستخدم لمنع المعلمين من الوصول إلى مدارسهم، وتقييد الحركة، وفرض واقع من عدم الاستقرار داخل المؤسسات التربوية، بما يحوّل الحق في التعليم إلى امتياز مشروط بموافقات تعسفية. ويعكس هذا النظام سياسة تمييز عنصري ممنهجة وعقابًا جماعيًا محظورًا بموجب القانون الدولي، ويقوّض أحد أهم مقومات صمود المجتمع الفلسطيني.
وفي هذا السياق، تواجه المدارس المسيحية في مدينة القدس المحتلة، استهدافًا مباشرًا يمسّ جوهر العملية التعليمية وحق الطلبة في التعليم. فقد أقدمت سلطات الاحتلال على إيقاف تصاريح عدد كبير من المعلمين القادمين من الضفة الغربية، وحصر تصاريح آخرين بأيام محددة، مع استثناء الأنشطة التعليمية والاجتماعية خارج أوقات الدوام الرسمي. وقد طالت هذه الإجراءات التعسفية 171 معلّمًا وموظفًا، ما حال دون انطلاق الفصل الدراسي الثاني يوم السبت 10/01/2026، وهدّد انتظام العملية التعليمية برمّتها. ويؤكد هذا الاستهداف أن الهدف الحقيقي لهذه السياسات ليس أمنيًا، بل يتمثل في تقويض التعليم الفلسطيني، وضرب استمرارية المؤسسات التربوية، وإضعاف الوجود الفلسطيني في القدس، في سياق سياسة طويلة الأمد تستهدف الأجيال القادمة وتزرع الفوضى والإحباط في صفوف الطلبة والمعلمين.
أما فيما يتعلق بحرية العبادة، فقد شهدت فترة أعياد الميلاد انتهاكات جسيمة ومتعمدة، لم تقتصر على مدينة القدس المحتلة، بل امتدّت لتشمل منع المواطنين المسيحيين الفلسطينيين من الوصول إلى مدينة القدس وسائر الأماكن المقدسة، في انتهاك مباشر لحرية العبادة المكفولة دوليًا. فقد أُجبر الأطفال والنساء وكبار السن على الانتظار لساعات طويلة عند الحواجز العسكرية، دون توفير أي تسهيلات لذوي الإعاقة أو عربات الأطفال، كما أقدمت سلطات الاحتلال على إغلاق الحواجز قبل المواعيد الرسمية المعلنة، ما أجبر المواطنين على المغادرة بعد انتظار طويل دون تمكّنهم من أداء شعائرهم الدينية. وتكشف هذه الممارسات سياسة تمييز ديني ممنهجة، تهدف إلى تقييد حرية العبادة، وتفريغ المناسبات الروحية من مضمونها، وتحويلها إلى معاناة يومية على الحواجز العسكرية، في رسالة واضحة بأن الاحتلال يسعى إلى فرض سيطرته حتى على الحياة الدينية ذاتها.
وفي السياق ذاته، يواصل الاحتلال الإسرائيلي ممارسة الإذلال اليومي بحق الفلسطينيين على معبر الكرامة، من خلال فرض تأخيرات متعمدة، واستجوابات تعسفية، وإجراءات تفتيش مهينة، دون أي مبرر قانوني أو أمني، بما في ذلك إجبار المسافرين، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، على الانتظار لساعات طويلة في ظروف حاطة بالكرامة الإنسانية. وتشكل هذه الممارسات جزءًا لا يتجزأ من سياسة السيطرة على حركة الفلسطينيين، وانتهاك حقهم في التنقل، وترسيخ واقع من الإخضاع والإذلال المنهجي.
إن استمرار هذه السياسات يشكّل خرقًا فاضحًا وممنهجًا لجميع القوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ويعكس نية واضحة لدى سلطات الاحتلال لتقييد الحياة التعليمية والدينية والاجتماعية، واستهداف المؤسسات التربوية والكنسية، في إطار سياسة استعمارية طويلة الأمد تهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني وتقويض صموده. وفي هذا الإطار، تؤكد اللجنة أن صمت المجتمع الدولي إزاء هذه الانتهاكات، واستمراره في التعامل معها بوصفها وقائع اعتيادية، يرقى إلى مستوى التواطؤ الفعلي مع منظومة الانتهاك.
وعليه، تطالب اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين المجتمع الدولي، وهيئات الأمم المتحدة، والمؤسسات الحقوقية والكنسية، بتحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، واتخاذ إجراءات فورية وفعّالة لوقف هذه الانتهاكات، وضمان الحق في التعليم، وحماية حرية العبادة، وصون كرامة الإنسان الفلسطيني، ومسائلة سلطات الاحتلال عن انتهاكاتها الجسيمة والمتواصلة.
فالحقوق لا تُمنح بتصريح، والكرامة لا تُجزّأ، والعدالة لا تقبل المساومة

No comments:
Post a Comment