القدس - موقع الفادي
كتب الاب سيمون حرو
في مساءات الشتاء الباردة، حين يهبط الصمت على الأزقة وتختبئ البيوت خلف أبوابها المرتجفة، يعلو صوت واحد في ضمائر البشر: صوت الشوق إلى السلام. فالحرب، أينما حلّت، لا تترك سوى رمادًا فوق الأرواح، ودمارًا فوق الأرض، وقلوبًا تنزف بصمت. هي آلة قاسية لا تعرف الرحمة، تسرق من الأطفال ضحكاتهم، ومن الأمهات أحلامهن، ومن الشيوخ ما تبقّى لهم من أمان. الحرب لا تلد شيئًا سوى الخراب… خراب المدن، وخراب النفوس، وخراب الرجاء.
لكنّ وسط ظلمة التاريخ، ومع كل جرح يفتح على وجه الإنسانية، يأتي الميلاد ليُشعل شمعة جديدة. الميلاد ليس مجرد ذكرى، ولا هو زينة تُعلّق على جدران البيوت، بل هو ولادة السلام من قلب الألم، وعودة النور إلى عالم أرهقته الصراعات. ففي مغارة صغيرة متواضعة، جاء طفلٌ ضعيف في ظاهره، قويّ في رسالته، ليقول للعالم: إن النور أقوى من الظلام، وإن الحبّ أقوى من السلاح، وإن السلام يبدأ من قلب الإنسان قبل أن يُكتب في صفحات السياسة.
الميلاد هو ولادة جديدة للعالم، ودعوة كي يعود الإنسان إنسانًا. حين ننظر إلى الطفل الإلهي، نرى في عينيه دعوة للصمت أمام ضجيج الكراهية، وللمسامحة أمام قسوة العداوات، وللرجاء أمام عبثية الحروب. هو يعلّمنا أن السلام ليس قرارًا يُفرض، بل ثمرة تُزرع في القلب، وأن كل نَفَس يولد من المحبة هو بحدّ ذاته مقاومة ضدّ الحرب.
وها نحن، في أرضٍ أنهكتها الصراعات وأثقلتها جراح التاريخ، ننتظر الميلاد كمن ينتظر قطرة ماء بعد عطش طويل. ننتظره ليتسلّل إلى بيوتنا المهدمة، وإلى قلوبنا المتعبة، وإلى أرواحنا المُحمّلة بأثقال الفقد والخوف. نريده أن يزور أطفالنا الذين عرفوا شكل الدخان أكثر مما عرفوا شكل الألعاب، وأن يزور شيوخنا الذين تعبوا من الانتظار، وأن يزور كل أمّ حملت طفلها وركضت تبحث عن مكان آمن يشبه حضن الوطن.
الحرب تُولّد الدمار… هذا صحيح، لكن الميلاد يُولّد السلام. ونحن، بين الدمار والسلام، نختار أن نكون أبناء النور لا أبناء الظلام، نختار أن نحمل رسالة المحبة بدل الحقد، وأن نبحث عن حياة تليق بكرامة الإنسان.
فليكن هذا الميلاد لحظة يقظة جديدة، نصمت فيها قليلًا لنسمع ما يقوله الله للإنسان. لحظة نُطفئ فيها غضبنا لنشعل نورًا للآخرين. لحظة نؤمن فيها بأن العالم يمكن أن يتغيّر… إذا تغيّر قلب واحد.
وإن كان الطفل يسوع قد وُلد في مغارة، فليولد السلام اليوم في داخل كل واحدٍ منا.
ميلادًا مجيدًا، يحمل لكم سلامًا لا يزول، ورجاءً أقوى من كل دمار.

No comments:
Post a Comment