تأملات تساعية الميلاد - اليوم الأول

. . No comments:

 


موقع الفادي

الأب فارس سرياني :

 

﴿مَنْ مِثلُ الرّبِّ إلهنَا، الجَالِسِ في الأعَالي، الّذي تَنازَلَ ونَظرَ إلى السَّمَواتِ والأرض؟﴾ (مز 5:113). هَكَذا رَنَّمَ صَاحِبُ الْمَزَامير، حِينَ مَجَّدَ عَظَمَةَ اللهِ مِنْ جِهَة، وقُربَهُ مِنَ البَشَرِ مِنْ جِهَةٍ أُخرَى. اللهُ الكَائِنُ الفَائِقُ العَظَمَة والْمُتَعَالي جِدًّا، خَالِقُ الكَونِ الّذي يُديرُ كُلَّ شَيء، البَعيدُ عَنَّا. هَكَذا كَانَت تَبدُو الأمورُ للإنسَان. وَلَكِن، تَأتي الخِبرةُ الْمُثيرَةُ لِلعَجَب: فَ "الجالِسُ في الأعَالي"، نَظَرَ إلى الأسفَل، أَي إِليَّ أنا الإنسَان! ونَظرَةُ اللهِ إليَّ، عَمَلٌ يُغَيّرُني ويُغَيّرُ العَالمَ مِنْ حَولي. نَظرَةُ اللهِ تُنْهِضُني، وبِحُنُوٍّ يَأخُذُ بِيَدي، ويُسَاعِدُني عَلَى الارتِقاءِ لِأعلَى. فاللهُ الَّذي نَظَرَ إلى الأسفَل، يُريدُني بِدَوري أَنْ أَصعَدَ لِلأعلَى، ولا أَبقَى رَهِينَةَ الأرضِيَّات.

 

في بَيتَ لَحم، اللهُ لَمْ يَكتَفِ بالنَّظَرِ فَقَط، بَلْ نَزَلَ إلى الأسفَل! إِنَّهُ يَنْحَني ويَأتي بِذَاتِه طِفلًا، في بُؤْسِ الحَظيرة، إذ لَم يَكُنْ لَهُ مُوضِعٌ في الْمَضَافَة، إِشارَةً لِمُشَارَكَتِهِ إيّانا، في كُلِّ حَاجَةٍ وضِيقٍ وبُؤسٍ وشَقَاءٍ بَشَريّ. اللهُ يَنزِلُ ويُصبِحُ طِفلاً، ويَضَعُ ذَاتَهُ كَأيٍّ مُولُودٍ جَدِيد، في حَالَةِ اعتِمَادٍ كُلّيٍّ عَلَى الآخَرين. الخَالِقُ العَظيم، الّذي بِيَدِه مَقَاليدُ الأشيَاءِ كُلِّهَا، يُمسِي طِفلًا يحتَاجُ إلى محبَّةِ البَشَريّةِ ورِعَايَتِهَا!

 

مَجدُ اللهِ تَجَلّى في هَيئَةِ طِفلٍ صَغير، وعَظَمةُ اللهِ تَجَلَّتْ في تَوَاضُعِهِ لَيلَةَ الْمِيلاد. إذْ مَا مِنْ شَيءٍ أَكثرَ سُموًّا وعَظَمَة، مِنَ الْمَحبّةِ الّتي تَنحَني وتَتَوَاضَع. ويَروي لَنَا الإنجيليُّ لُوقَا، بأَنَّ اللهَ قَدْ أَظهَرَ مَجَدهُ أَمامَ أَشخاصٍ وَضعُهُم مُتَردٍّ، أَشخَاصٍ يُهمِلُهُم عَادَةً الْمُجتَمَعُ الكَبير. أَمَامَ الرُّعَاةِ السَّاهِرينَ عَلى قَطيعِهم في الحُقول. هَؤُلاءِ الرُّعاةُ الْمَنْسِيِّين، قَدْ غُمِرُوا بمجدِ الله، ونَالوا حُظوَةَ رُؤيَةِ بَهاءِ العَليِّ الّذي سَكَنَ بَينَنا!

 

هَؤلاءِ الرُّعَاةُ أَصْغوا إلى نَشيدِ الْمَلائِكَةِ مُبَشِّرَةً: ﴿الْمَجدُ للهِ في العُلَى! والسَّلامُ في الأرضِ لِلنّاسِ، فَإنَّهُم أَهلُ رِضَاه﴾ (لوقا 14:2). وَمَنْ هُمْ أَهلُ رِضَى الله سِوَى الْمُتَواضِعينَ السَّاهِرين، الّذين يَرجُونَ صَلاحَ العَليِّ ويَبحَثونَ عَنه؟! إلهُنَا حَاضِرٌ مَع أَصحَابِ القُلوبِ السَّاهِرَة؛ مَعِ الْمُتَواضِعين الَّذينَ يُدرِكونَ أَنَّ عَظَمَةَ الله، تَكمُنُ في التّواضُعِ والْمَحبَّة، والاهتِمَامِ بإخوَةِ يسوعَ الصِّغَارِ الْمُهَمَّشِينَ والْمُهمَلين. إلى هَؤلاء، يَمنَحُ اللهُ سَلامَهُ، وبِوَاسِطَتِهِم يحلُّ السَّلامُ في عالم يَعتَقِدُ مُخطِأً، أَنَّ العَظمَةَ تكمُنُ في الكِبرياءِ والسُّلطَةِ والقُوّةِ والطُّغيَان.

 

يَقولُ أَحَدُ الَّلاهُوتِيّين: "إنَّ اللهَ عِندَمَا رَأَى بِأَنَّ عَظَمَتَهُ وتَعالِيِه، تخلِقُ حَاجِزًا مُعِيقًا بَينَهُ وبَينَ الإنسان؛ اِختَارَ بِأنْ يُصبِحَ طِفلًا في مذوَدٍ بَسيط، حَتَّى يَتلاشَى الخَوفُ والذُّعرُ، وتَحِلَّ الْمَحبّةُ والسَّكينَةُ بَينَ الخالِقِ والْمَخلوق".

 عن "ابونا"

No comments:

Post a Comment

Contact Form

Name

Email *

Message *

المشاركات الشائعة

البث المباشر

Search This Blog

Powered by Blogger.