آية اليوم

Post Top Ad

Your Ad Spot

Friday, December 11, 2020

عظة غبطة البطريرك بييرباتيستا بيتسابالا في الأحد الثالث لزمن المجيء

 


موقع الفادي 

يتكوّن المقطع الإنجيلي لهذا الأحد من جزأين مختلفين: الآيات الثلاث الأولى مأخوذة من المقدّمة البليغة لإنجيل القدّيس يوحنا (يوحنّا ١، ٦–٨)، بينما يتابع المقطع الإنجيلي لاحقًا الجزء السردي، الّذي يأتي مباشرة بعد المقدّمة (يوحنّا ١، ١٩–١٨).

 

في الجزء الأوّل الإنجيلي يوحنّا هو الّذي يُقدّم لنا شخصيّة يوحنّا المعمدان؛ وفي الجزء الثاني يوحنّا المعمدان هو الذي يُقدّم نفسه، بضغط من الأشخاص المبعوثين من أورشليم (يوحنا ١: ١٩) لمعرفة من يكون هذا الرجل الّذي بدأ يوقظ توقّعات إسرائيل، والذي أعاد فتح طريق الصحراء.

 

يقول الإنجيلي أربعة أشياء أساسيّة عن المعمدان: الاسم: "اسمه يوحنّا"، ومن أين يأتي: "مُرسل من لدن الله"، والرسالة: "جاء شاهدًا للنور"، وغاية الرسالة: "حتى يؤمن عن شهادته جميع الناس".

 

يولي الإنجيلي اهتمامًا خاصًّا للرسالة: فعبارة شاهد / شهادة تتكرّر ثلاث مرّات في آيتين (يوحنّا ١: ٧- ٨).

 

المعمدان هو الشاهد الأوّل ليسوع، علما أن مفهوم الشهادة في الإنجيل أمرٌ جوهريّ. يكفينا أن نرى كم مرّة يتكرّر هذا المصطلح (أكثر من أربعين مرّة)، كي يجعلنا ندرك أهمّية شخصيّة "الشاهد".

 

يمكننا اعتبار بشارة يوحنا مسيرة طويلة تتضح فيها هويّة يسوع أكثر فأكثر، والتي خلالها يتم الاستماع إلى "شهودٍ" أساسيّين (قانا، المرأة السامريّة، الأعمى منذ مولده وكثيرون غيرهم).

 

الشاهدان الأساسيّان اثنان: أوّلهما المعمدان، بينما الآخر هو التلميذ الحبيب. ويفعل كلاهما الشيء ذاته: يشهدان لعلاقة يسوع مع الآب، ومجيئه من عند الآب والعودة إليه.

 

وهما يفعلان ذلك لسبب واحد: بالنسبة للمعمدان وللتلميذ الحبيب، تهدف شهادتهما إلى غاية وحيدة هي إيمان التلاميذ. في الفصل التاسع عشر، بعد موت يسوع، عندما طعنه الجنود في جنبه وخرج منه دمٌ وماء، يستطيع الإنجيلي القول: "والذي رأى شهد، وشهادته صحيحة، وذاك يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم أيضا" (يوحنا ١٩: ٣٥).
إن غاية الشهادة هي الإيمان، لأنّ كل من يؤمن يكون له الحياة والخلاص.

 

حتّى في الممارسات القضائيّة، الشاهد من الدرجة الأولى هو مَنْ شاهد بأمّ عينيه. ببساطة، ليس هو الشخص الذي يسمع ما يُقال، بل من كان حاضراً، ويعرف الأمور، لأنّه يكون قد عاشها واختبرها.

 

في الواقع، في الآيات اللاحقة للآيات الّتي تُقرأ اليوم، سوف يقول المعمدان أنّه شاهَدَ بأمّ عينيه: "رأيت الروح ينزل من السماء كأنه حمامة فيستقر عليه... وأنا رأيت وشهدت أنه هو ابن الله" (يوحنّا ١: ٣٢- ٣٤).

 

ليس الشاهد هو مَنْ رأى وحسب، ولكنّه أيضاً، وبالدرجة الأولى، هو مَنْ شاهد وآمن. يوحنا المعمدان هو مَن سمع كلمة الآب الّذي أرسله، وأقرّ بأنّ ذلك الحدث قد تحقّق في شخص يسوع، ولذا آمن به.

 

يواصل المقطع الانجيلي بعد ذلك بالقاء الضوء على هوية المعمدان وإن كان هو المسيح المنتظر. يُعطينا المعمدان مؤشّرين.

 

صحيح أنّ هناك شخصًا ما ينبغي أن يتم الاعتراف به، ولكن هذا الشخص ليس المعمدان: "بينكم من لا تعرفونه" (يوحنا ١: ٢٦). إنّ خدمة هذا الأخير ليست سوى الإشارة إلى الآتي. يوضح يوحنّا أنّه، من خلال عدم لفت الإنتباه إلى نفسه، يمكن للآخرين أن يحوّلوا انتباههم إلى الشخص الذي يجب انتظاره حقًا؛ وسوف يتمّم رسالته الشخصيّة فقط عن طريق الاختفاء، وبذلك يشهد لوجود المسيح بين الناس. وسوف يقول لاحقاً بوضوح: "لا بدّ له من أن يكبر، ولا بدّ لي من أن أصغر" (يوحنا ٣: ٣٠). 

 

والمؤشّر الثاني يتعلق باقتباس المعمدان من نبوءة أشعيا في بداية الفصل ٤٠، الذي يبدأ بكتاب العزاء الكبير إذ يُعلن نهاية العبودية وبداية زمن جديد.

 

وهذا ما يقوله يوحنا المعمدان: ما أنا سوى الشاهد على أن هذا الزمن قد ابتدأ بالفعل، وأن الشيء الوحيد الذي يتوجّب فعله هو الاعتراف بمن هو موجود بالفعل بينكم. وبسببه، لم يعد هناك وقت نضيّعه. لقد انتهى زمن الإنتظار.

 

وفي تقديمه لشخصية المعمدان يصف إنجيل اليوم رسالة الكنيسة، التي نجد فيها صدى ذلك الصوت الصارخ في البرية وكلمة العزاء الحاضرة اليوم. إن رسالة الكنيسة اليوم هي أن تبيّن لإنسان اليوم طريق الخلاص وطريقة اللقاء مع المسيح لا أكثر. الأمور الأخرى هي أمور ثانوية.

 

يُطلب اليوم منّا بقوة العودة إلى ما هو أساسيّ وجوهريّ، إلى ذلك "المبدأ" الذي تحدث عنه مرقس يوم الأحد الماضي (مرقس ١: ١) وهو التخلي عن كل شيء سوى التركيز على حضور الربّ العامل منذ الآن في الكنيسة وفي العالم، والتخلّي عن كل شيء لا يوجهنا إليه.

 

إنّه نداء قويّ يُطلقه المعمدان، وهو يعرف ميلنا إلى التوقّف عند التفاصيل وفقدان ما هو جوهريّ.

 

وهكذا، فإنّ زمن المجيء هو الزمن الذي تدعونا فيه الكنيسة لإعادة اكتشاف ما هو أساسيّ في الحياة وفي الإيمان.

عن موقع ابونا

No comments:

Post a Comment

Post Top Ad

Your Ad Spot